جيهان عبد الرحمن تكتب : الموت بديلا للحياة

هيمنت قضية حق الأب في رؤية أطفاله بعد الانفصال على عدد من الأعمال الدرامية خلال الموسم الرمضاني الأخير، حيث قدمت مسلسلات مثل كان يا ما كان، و المتر سمير، وأب ولكن، وماما وبابا جيران معالجة متقاربة تُظهر الأب في صورة الطرف المتضرر من قانون الأحوال الشخصية، وتُبرز ما يُثار حول وجود ثغرات قانونية قد تُستغل أحيانًا لمنعه من رؤية أبنائه.
ويأتي ذلك بالتوازي مع تحركات رسمية لإعداد مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية، في ظل مطالبات مجتمعية بإعادة التوازن بين حقوق الأب والأم، بما يضمن مصلحة الأبناء في المقام الأول. غير أن هذا الطرح، على أهميته، يظل مساحة نظرية قاصرة إذا ما قورن بما يكشفه الواقع يومًا بعد يوم.
الواقع لا يناقش القضية من زاوية “حق الرؤية”، بل يطرحها في سياق أكثر قسوة وتعقيدًا، يتجاوز النصوص القانونية إلى أزمات إنسانية عميقة. الأمر لم يعد صراع حقوق بين أب وأم، ولا معركة قانونية تحسم بنصوص جامدة، بل أصبح نزيف إنساني مفتوح. الواقع لا يصرخ فقط .. بل ينتحر
في الإسكندرية، أقنعت أم أبناءها الخمسة بالموت هربا من الفقر والمرض وعجزا عن مواجهة الحياة بعد تخلي الاب. نحن هنا أمام انهيار كامل لفكرة الأسرة لا خللاً في القانون، مشهد صادم يعكس حجم اليأس الذي يمكن أن يبلغه الإنسان حين تغيب عنه سبل الدعم.
وحين تختار شابة أن تنهي حياتها في بث مباشر، في دلالة خطيرة على تفاقم الضغوط النفسية والاجتماعية، وتراجع القدرة على الاحتواء المجتمعي. فذلك ليس ضعفا فرديا بل إعلان إفلاس جماعي
وحين تلقي طبيبة بنفسها تاركة أبنتها الوحيدة فالمأساة هنا لا تخص شخصا بل نظام كامل لم يعد قادرا علي حماية أكثر أفراده وعيا.
شاب آخر عُثر عليه مشنوقًا، أعلي كوبري المظلات بشبرا الخيمة إضافة إلى واقعة مأساوية لرجل ستيني أنهكه الروتين والإجراءات، فاختار إنهاء حياته علي الابواب التي اعجزته عن الوصول لأبسط حقوقه.
رغم اختلاف التفاصيل، فإن القاسم المشترك بين هذه الوقائع هو تصاعد الشعور بالعجز واليأس، في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية ونفسية متراكمة، وغياب آليات فعالة للدعم والحماية.
المشكلة أعمق بكثير من نصوص قانونية أو أعمال درامية تعيد تدوير نفس الزاوية، المشكلة أن الإنسان نفسه أصبح هشا إلي درجة مخيفه. نحن أمام مجتمع يتأكل من الداخل، علاقات أسرية هشة، ضغوط اقتصادية خانقة، دعم نفسي شبة غائب، بيروقراطية قاتلة، خطاب عام يختزل الأزمات في طرف مظلوم واخر ظالم.بينما الحقيقة أن الجميع خاسر
والأخطر من قوع هذه الحوادث، بل الاعتياد التدريجي عليها، والتعامل معها باعتبارها وقائع فردية معزولة، أو حذفها من التداول العام، بما يُفقد المجتمع قدرته على إدراك خطورتها الحقيقية.
الأمر يتطلب خطاب إعلامي أكثر مسؤولية، يُسلط الضوء على جذور الأزمات بدلًا من الاكتفاء بعرض مظاهرها، ضرورة خلق وعي مجتمعي قادر على المواجهة.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن ما نشهده ليس مجرد أزمات متفرقة، بل مؤشرات على خلل أعمق في بنية المجتمع.
فحين يصل الإنسان إلى مرحلة يرى فيها إنهاء حياته حلًا، فإن ذلك لا يعكس فشلًا فرديًا بقدر ما يكشف عن فجوة كبيرة في منظومة الحماية والدعم.
وهنا، لا يصبح السؤال: كيف نُعدل القوانين؟
بل: كيف نمنع إنسانًا من أن يصل إلى هذه اللحظة؟