لم يعد من الممكن قراءة ما يجري في الشرق الأوسط باعتباره صراع تقليدي يمكن قراءته بأدوات السياسة المعتادة.. بل نحن أمام مشهد أكثر قسوة وبصدد نمط متكرر تُعاد فيه صياغة القواعد ذاتها: القوة أولًا ثم التفاوض لاحقًا ، هذا النمط الذي يتجلى بوضوح في سياسات الكيان الصهيوني ومعه تحركات الولايات المتحدة يطرح تساؤلًا حادًا: هل ما يتم طرحه وتسويقه كـ “سلام” هو بالفعل تسوية عادلة ، أم مجرد إعادة ترتيب للواقع وفق موازين القوة ؟
في الحالة اللبنانية لم يكن الحديث عن “التفاوض” – رغم أنه طلب لبناني – منفصلًا عن الضغوط العسكرية.. بل جاء مصحوبًا بها!
وبينما يتم طرح هذه العملية باعتبارها مسارًا دبلوماسيًا فإنها تفتقد إلى الحد الأدنى من التكافؤ، خاصة في ظل الفارق الكبير في القدرات العسكرية بين الكيان ولبنان!
هنا لا يبدو التفاوض خيارًا حرًا بقدر ما هو استجابة لواقع مفروض الأمر الذي يضع علامات استفهام حول طبيعة النتائج التي يمكن أن تخرج من مثل هذا السياق التفاوضي
على الجانب الآخر، تتبنى دوائر الصقور داخل الولايات المتحدة خصوصًا خلال فترات حكم دونالد ترامب مفهوم “السلام
بالقوة”، باعتباره أداة فعالة لفرض الاستقرار، غير أن هذا الطرح يواجه اختبارًا صعبًا علي أرض الواقع، فبدلًا من إغلاق
ملفات الصراع تدخل المنطقة في دوائر جديدة من التوتر تمتد من ساحات المواجهة المباشرة إلى ساحات وجبهات
غير تقليدية.
التصعيد مع إيران يقدم نموذجًا آخر لهذا التعقيد.. فبينما تُطرح مبررات متعددة للتحركات العسكرية أو الضغوط
السياسية تتزايد في المقابل التساؤلات حول دقة مبررات هذه الحرب وحدودها خاصة مع تضارب التصريحات بشأن
القدرات النووية والصاروخية، وحول طبيعة الأهداف المعلنة وغير المعلنة! هذا التباين لا يؤثر فقط على صورة أطراف
الصراع.. بل يمتد ليضع الثقة في الخطاب الدولي ككل علي المحك.
لذلك فإنه لا يمكن تجاهل أن بعض القوى الإقليمية تجد نفسها محاصرة بين خيارات محدودة: إما الانخراط في ترتيبات
تُفرض عليها، أو مواجهة ضغوط قد تتجاوز قدرتها على التحمل! وهنا، يصبح غياب توازن إقليمي حقيقي عاملًا حاسمًا
في تحديد مسار الأحداث، حيث تتحول بعض الدول من فاعل إلى مجرد ساحة للصراع.
الأخطر من ذلك هو أن هذه السياسات لا تتوقف آثارها عند حدود الإقليم، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي من خلال
التأثير على أسواق الطاقة وحركة التجارة والاستقرار المالي، ومع كل جولة تصعيد تتزايد المخاوف من انزلاق أوسع قد
يصعب احتواؤه، خاصة في منطقة هي بالفعل من أكثر مناطق العالم هشاشة!
في النهاية هذه اللحظة تكشف عن معادلة قاسية: حين تختل موازين القوة لا يصبح السلام نتيجة تفاوض متكافئ،
بل انعكاسًا مباشرًا لإرادة الطرف الأقوى.. وبينما تستمر القوى الكبرى في إعادة تشكيل المشهد وفق مصالحها
يبقى السؤال – رغم حالة اليأس – مفتوحًا: هل يمكن للمنطقة أن تفرض معادلتها الخاصة يومًا، أم ستظل رهينة