عبد الناصر البنا يكتب : فهمى عمر .. الذى أعرفه !!

الأستاذ فهمى عمر الذى وافته المنية عن عمر ناهز الـ 98 عاما كان حتى آخر نفس فى عمرة قريح الذهن حاضر البديهة ، سريع الفهم ثاقب الرأى ، لم تغب عنه كبيرة ولاصغيرة ، ولاشاردة ولا واردة ، ولم يألم لـ تعب أو نصب ، أو مرض ، أو يدخل مشفى حتى آخر نفس فى حياته ، مات على فراشه ، معززا مكرما وسط أهله وفى مسقط رأسه ، بقرية الرئيسية مركز نجع حمادى محافظة قنا ، ميته يتمناها كل من سمع بخبر وفاته .
مات فهمى عمر فى شهر فضيل وهو شهر رمضان ، ويشاء القدر أن تكون أيام ميتته هى العشر الأوائل من رمضان ، وهى عشرة ” الرحمة ” ، وكان رحمه الله ” رحيما ” بكل من طرق بابه ، أو طلب منه أن يقضى له حاجه ، ووصى بها بنية وأهله ، وكم من مرة سمعته بأذنى رأسى ، وهو يحرض على قضاء حوائج الناس ، ويقول : لاتردوا سائل ، إحرصوا على قضاء حوائج الناس قدر إستطاعتكم ، مستمدا من قول رسولنا الكريم ﷺ “خيرُكُم .. خَيرُكُم لأَهْلِهِ”، ندعوا الله أن يتعمده بواسع رحمته ، وأن يجعله من عتقاء رمضان ، وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة ، كانت جنازة فهمى عمر جنازة تليق بقامة إعلامية كبيرة مثله ، جنازة تحدث عنها القاصى والدانى ، ولا أبالغ إن قلت أنها كانت حديث مصر كلها ، وليست الأوساط الإعلامية فقط . نعته الرئاسة ونعاه مجلس الوزراء ، وجموع الشعب المصرى .
شاءت الأقدار أن يكون قهمى عمر صعيديا ، تلقى تعليمه الأولى بين قريته” الرئيسية ” ، وأكمل شهادته الثانوية فى قنا ، وفى جامعة الأسكندرية درس القانون ، وتخرج فيها ، وعمل بالمحاماة لفترة إنتظارا لـ إختبارات القبول فى النيابة العامة ، وشاءت الأقدار أن يتقدم لـ إجراء إختبار المذيعين بالإذاعة المصرية ، وبعد سلسلة طويلة من المقابلات والإختبارات حكى عنها بإسلوبه الشيق ، تم قبوله مذيعا بالإذاعة المصرية ” مذيع خارج الميكرفون ”
لاتتعجب عزيزى القارىء .. لأن الحجة وقتها كانت لهجته الصعيدية ، تلك اللهجة التى ميزت آداء فهمى عمر فيما بعد ، ويشاء القدر أن يتدرج فهمى عمر فى المناصب لـ يعتلى مقعد رئيس الإذاعة المصرية فى الفترة ( 1982 : 1988) وأن تكون له صولات وجولات ، وقد إعتادت الإذاعة أن توفد مذيعا لتقديم حفلات ” أم كلثوم ” فى الخميس الأول من كل شهر ، ويحكى الأستاذ فى صالون إحسان عبدالقدوس بنادى الصيد ، بوشاية منى لمديرة الصالون د. رشا سمير عن ذكرياته مع أول لقاء بينه وبين الست ، فى شهر مارس عام 1954 ، اى بعد حوالى 3 سنوات من عمله كمذيع ، فيقول عندما سلمت عليها ، وعلمت أننى صعيدى بادرتنى بالقول مازحة يعنى أقول لك “صعيده ” !!
يقول فهمى عمر : عندما إنفرجت الستار وقتها عن أم كلثوم ، وهو يستعيد ذكريات تلك الليلة ضاحكا قال : وهكذا أيها الستارة تنفرج السادة عن أم كلثوم .. الجدير بالذكر أن فهمى عمر قدم ثلاث حفلات للسيدة أم كلثوم ، وعن عبدالحليم حافظ يقول : كان لنا قعدات فى شقه ” جلال معوض ” رحمه الله ، وكانت تجمع الموجى وعبدالحليم وغيرهم ، وعرفت عبدالحليم وهو عازف ” أبوا” فى فرقة موسيقى الإذاعة ، وكان يختلف عن بقية الموسيقيين كونه ” قليل أوى ” أى ضئيل فى الجسم ، وكان يعرف نفسه بأخوه إسماعيل شيانه المطرب فى الإذاعة ، يؤرخ الأستاذ لبدايات عبدالحليم كون المذيعين أول من عرفوه وسمعوا منه أغنيات ثلاثه فقط . كان يغيها وهى ” ياتبر سايل بين شطين ياحلو ياسمر ــ ظالم وكمان رايح تشكى ــ صافينى مرة ” .
عندما يذكر فهمى عمر ، لابد وأن يكون لنا وقفة مع بيان ثورة يوليو 1952 الذى ألقاه أول مرة الرئيس أنور السادات ، يوم لاينسى فى حياة فهمى عمر ، كانت الإذاعة وقتها تبث من مبنى الشريفين ، بوسط البلد ، وفى إستراحة المذيعين كان أنور السادات يجلس مع رفاقة ، يقول كان معروفا وقتها لدى ، وتيقنت وقتها أنه ماجاء فى هذا المكان إلا لـ يحقق ماكان يجول فى صدورنا نحن شباب الأربعينات ” يسقط الاستعمار ” .
طلب السادات منه بعد فتح الإذاعة أن يلقى البيان ، ويقول : طلبت منه أن أقدمه بعد المارش العسكرى كالمعتاد ، ولكنه فوجىء بأن الإرسال إنقطع من مركز البث فى أبو زعبل ، وفى تمام الساعة 7.25 دقيقة عاد الإرسال مرة أخرى ، وشاءت الأقدر أن يكون هذا التوقيت فرصة ذهبية كونه أول خبر يذاع فى نشرة أخبار الساعة 7.30 صباحا التى تنتظرها الجماهير المصرية . ويفجر فهمى عمر مفاجأة بأن بيان الثورة الأول الذى ألقاه السادات وقتها لم يسجل ، أما البيان المحفوظ فى أرشيف الإذاعة حاليا بصوت أنور السادات تم تسجيله بعد مضى 6 أشهر من قيام الثورة ، فى إحتفالية خاصة أقامتها الإذاعة بهذه المناسبة !!
لقد كان فهمى عمر عفيف اللسان ، نظيف اليد ، قدوة ومثل لكل من عرفه أو تعامل معه ، هو الخال الذى نفتخر به ، كما يفتحر به كل أبناء الصعيد ، بل ويفتخر به كل مصرى ممن عطرت أسماعهم ” مجلة الهواء وساعة لقلبك ، أو جميل تعليقه على مباريات الدورى وغيرها ” ، كان رحمه الله مسيرة مهنية طويلة امتدت لعقود ، وأسهمت في تشكيل وعي أجيال من المستمعين و العاملين في مجال الإعلام .
من طريف مايحكى عنه أنه فى أحد المرات كلفت إحدى المذيعات بعمل لقاء فى بيت الموسيقار محمد سلطان ولجأت له للخروج من هذا المأزق ، وكان رئيسا للإذاعة ، فإنفعل بشدة وقال : ” بنت بنوت” وهو اللقب الذى يطلق فى الصعيد على الفتاة التى لم تتزوج بعد ، إزاى تروح تعمل لقاء بمفردها فى بيت راجل غريب ، هكذا كانت أخلاق الصعيد المتمثلة فى الزود عن الشرف وحماية الأعراض والأخلاق حاضرة فى عمله .
يوم 23 ديسمبر هو يوم تاريخى فى حياة فهمى عمر ، عندما تم تكليفه بالسفر إلى مدينة بورسعيد الباسلة لمدة أسبوع ينقل خلالها صور للحياة فى المدينة ، بعد زوال الإستعمار وجلاء القوات عن المدينة ، عند كوبرى الرسوه كانت هناك جموع من السيارات تنتطر الإذن لها بالدخول ، شاءت الأقدار أن يجد إلى جواره السيدة” تحية كاريوكا” هى وزوجها ذهبت لـ تهنئة شعب بورسعيد بالعودة ، يقول سألت نفسى عن المكان الذى سوف نبيت فيه ، ولم يدم تفكيرى طويلا ، عندما وجدت كتيبة جيش ، كان قائدها المقدم ” أحمد إسماعيل على ” الذى أصبح المشير أحمد إسماعيل فيما بعد ، وفيها وجدت ضالتى المنشودة ، حيث وفر لى ولفريق العمل مكانا للإقامة .
كانت بورسعيد وقتها متوهجة بالأفراح ، وكان من حسن حظه أن إلتقى ضابطا فى مباحث بورسعيد ، كان يخدم فى نقطة شرطة قرية الرئيسية ، وإنتقل إلى بورسعيد إسمه ” عزالدين الأمير ” ، وكان ممن يديرون حركة الفدائيين فى بورسعيد ، ساعده هذا الضابط فى إحضار مجموعة من الفدائيين لعمل لقاءات معهم ، حتى أنه إلتقى الفدائيين من أبطال المقاومة الشعبية الذين أسروا الضابط ” مور هاوس ” قريب ملكة إنجلترا . قدم فهمى عمر خلال تلك الفترة رسالة يومية مدتها نصف ساعة نقل خلالها نبض الحياة فى بورسعيد . وشاءت الأقدار أن تكون الإذاعة المصرية هى أول وسيلة إعلام فى العالم تنقل إرالة تمثال ديليسبس من الوجود فى مدخل القناة
بقى أن أشير إلى أن فهمى عمر هو إبن حسب ونسب وهو سليل القبيلة ” الهمامية ” التى تعد واحدة من أعرق قبائل الصعيد ، وأعتقد أنه كان مرجعية لـ عبدالرحيم كمال عند كتابته لسيرة حياة شيخ العرب همام التى قدمت فى حلقات درامية مسلسلة شاهدتها الملايين ، وهو إبن قرية الرئيسية التى لنا فيها صهرا ونسبا ، وهى مسقط رأسى أمى ، وبلد أجدادى لـ أمى .
رحل فهمى عمر وبقيت الذكرى والسيرة الطيبة تعطر جنبات المكان ، كونه عفيف اللسان ، كريم ، جواد ، لم يرد سائلا ، ولم يرفض طلبا لأحد فى يوم من الأيام . والحقيقة الخالدة أنه لم يكن غريبا أن يموت فهمى فما كان لبشر أن يخلد فيها ، يقول تعالى{ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ } ، ورسول الله ﷺ قد مات ، ” كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ” ، فقط هو الفراق الذى يترك فى النفس لوعة وأسى ، رحم الله امواتنا جميعا .
أعتذر للإطالة .. ولكن الحديث عن الأستاذ فهمى عمر لايكفى فيه مقال واحد وإنما تحضر فيه رسائل الدكتوراه ، رحمه الله عليه وعلى أمواتنا جميعا .