الدكتور هيثم الطواجني يكتب : آليات مواجهة العدو (4 )

تحدثنا في السابق عن العدو وأنواعه وكيفية بناء وامتلاك القوي المختلفة لمواجهته.
– قد لا تكون القوة العسكرية أساسية في تكوين القوة الناعمة للدولة، ولكن المؤكد أن القوة الاقتصادية للدولة وامتلاكها لجهاز إداري منضبط، وإطار تنظيمي (تشريعي) كفؤ وفعّال ينتج الثروة، وهي الشروط الأساسية لتكوين واكتساب القوة الناعمة.
– الوقت عامل مهم للغاية لاستمرارية القوة الناعمة، ولان امتلاك القوة الصلبة يتطلب وقتاً أقل بكثير، ونتائجها
ملموسة وواضحة، بينما يستغرق بناء القوة الناعمة وقتاً طويلاً نسبياً حيث تتطور مواردها غير الملموسة على مدى
فترة طويلة من الزمن، في حين يميل الصراع العسكري (القوة الصلبة) إلى نتيجة فورية ذات مدى قصير، فإن الجذب
والإقناع (القوة الناعمة) يميلان إلى إحداث تغيير طويل الأجل.
– إن مواجهة العدو لا تعنى بالضرورة اللجوء إلى استخدام الصراع المسلح ولكن امتلاك القوة الصلبة مع القوة الناعمة
بالإضافة إلى السعي نحو امتلاك القدرات المتنوعة على الارغام يعني في مجمله وجوهره سعى الدولة لبناء قوتها
وقدراتها المختلفة، وبقول أخر بناء القوة العظمي، وبالتالي التحول إلى ممارسة أدوار الدولة العظمي
التي تستطيع حل مشكلاتها، ومشكلات من يسيرون في فلكها، والتي تسيطر بقوتها الناعمة وقدراتها المتنوعة
على الارغام، وتبقى استخدام قوتها الخشنة إلى حين تفشل قدراتها على الارغام في تحقيق النتائج المرجوة،
ولكنها تكون قد أفلحت في تحييد قدرات العدو، أو جزء منها على أقل تقدير مما يتيح للدولة أن تستخدم قوتها الصلبة
دون خسائر، أو بأقل مجهود بعد أن ضمنت تحييد جزء أو كل قدرات العدو.
– تستطيع الدولة الحفاظ على مصالحها وهويتها وقيمها وتقاليدها ووحدة أراضيها وسلامة مواطنيها بامتلاكها لهذه
القوي المختلفة، لذلك فإن توطينها يحتاج إلى تجهيز وتخطيط وتنفيذ ومتابعة، وفق رؤية متكاملة وشاملة لكل
الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والثقافية وغيرها، وذلك في إطار زمني محدد، بهدف الوصول
إلى اكتساب مفردات القوي المختلفة مع استدامتها، وبالتالي القدرة على مواجهة العدو، وتحقيق الردع لمن يفكر
في استعدائها.
– ويري كونيسا أن العدو بُنية ومن الممكن تفكيكه، ولذلك يقترح عدة آليات يمكن للدولة اتباعها لتفكيك عدوّها مثل
تغيير الخطاب نحو التهدئة، والدعوة إلى السلام، والمصالحة التي تبدو صعبة ولكنها فعّالة، والخروج من حالة الخلافات
الحدودية (اتفاقية “شينغين” التي فتحت الحدود بين الدول الأوروبية فمن خلالها زالت الخلافات الحدودية بين ألمانيا
وفرنسا إذ صارت حدود فرنسا اليوم هي مطار شارل ديغول)، واذا ما أضفنا هذه المقترحات إلي امكانيات الدولة ممثلة
فى قوتها الصلبة والناعمة وقدرتها على الارغام، لأصبح للدولة آليات واضحة وثابتة وقادرة على مجابهة ومواجهة اي
عدو.
– ولأن عدد سكان الارض مطرد، والموارد المتاحة محدودة، بالإضافة إلى الاختلاف والتنوع العقائدي والديني
والأيديولوجي، فإن البيئة خصبة لخلق العدوات والصراعات المستمرة، فكان لزاماً على مصرنا العزيزة أن تجعل من
النية الصادقة، والتفكير الجدي، والتخطيط الواقعي، والعمل الدؤوب الجاد المخلص منهجاً واضحاً، وأسلوباً دقيقاً
لامتلاك القوي بمختلف أنواعها، فنحن نمتلك بالفعل [القوة “الصلبة – الناعمة” – نحتاج إلى امتلاك وتعظيم القدرات
المتنوعة على الارغام]، بهدف الوصول إلى أن تصبح مصرنا الغالية قوية، وقادرة على حسم الخلافات والنزاعات
والصراعات الحالية والمنتظرة، دون اللجوء إلى استخدام القوة الصلبة، وجعلها الخيار الأخير.