مع بداية الأسبوع الأول من المائة يوم الثالثة على اندلاع الحرب بين إيران وأمريكا والكيان الإسرائيلي التى دارت رحاها فى الثامن والعشرين من فبراير الماضي ، اتخذ الصراع منحنا خطيرا خاصة بعد سيطرة قوات الحوثي شبه الكاملة على باب المندب وما يحدثه ذلك من تداعيات وآثار سلبية على حركة التجارة العالمية ، لا سيما في ظل توقف الحركة تقريبا بمضيق هرمز ، الأمر الذى جعل الكثيرين يصفون ذلك بالصدمة ، بل بالزلزال الاستراتيجي الذى يضرب خريطة التجارة العالمية فى مقتل !! .
فوفقا للتقرير الذى نشرته مؤخرا صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية بصدر صفحتها الأولى فإن ما يحدث في المنطقة يمثل تطوراً تاريخياً غير مسبوق يكشف عن تحول مفصلي في موازين القوى الدولية، حيث أظهرت التغطية الموسعة نجاح إيران وحلفائها في اليمن في إحكام القبضة الكاملة والسيطرة الميدانية على خطوط الملاحة في أهم شريانين للطاقة والتجارة على وجه الأرض وهما مضيق هرمز ومضيق باب المندب لتجد الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب نفسها أمام مأزق جيوستراتيجي ومعضلة معقدة تعيد رسم قواعد الصراع في الشرق الأوسط من الألف إلى الياء.
التقرير الصحفي المهم يشير إلى أن فصول المشهد الكارثي على الاقتصاد العالمي بدأت من الخليج العربي حيث فرضت إيران كلمتها في مضيق هرمز وعطلت الفاعلية المعتادة للمضيق الذي يمر عبره 20%
” خُمس” إنتاج النفط العالمي، وهو التحرك الذي جاء متكاملاً مع استراتيجية طهران لتعطيل الإمدادات والرد الصارم على الضغط الأمريكي المباشر، ما أجبر واشنطن وحلفاءها على خوض عمليات بحرية محفوفة بالمخاطر لإبقاء مسارات النفط مفتوحة بصعوبة بالغة من الجانب المقابل للسواحل العمانية، وسط تحذيرات متصاعدة من إدارة ترامب التي وجدت استراتيجيتها الاقتصادية والعسكرية تتعرض لاختبار ميداني قاس يفوق كل التوقعات التقليدية لدوائر صنع القرار في البنتاجون !! .
لم تتوقف العاصفة طبقا لوصف الصحيفة عند حدود الخليج بل امتدت بقوة نحو خاصرة البحر الأحمر الجنوبية حيث أحكمت قوات الحوثي قبضتها على المدخل الاستراتيجي لمضيق باب المندب والجزر المحيطة به مثل ميناء المخا وجزيرة ميون وسقطرى وهانيش في عملية خاطفة قلبت الطاولة على الترتيبات الإقليمية والدولية، وأشارت تحليلات نيويورك تايمز إلى أن هذا التقدم الميداني النوعي منح طهران وحلفاءها قدرة مزدوجة ومطلقة على التحكم في بوابتي النفط والتجارة العالمية معاً، الأمر الذي أخرج السعودية وممري الطاقة الرئيسيين لديها عن نطاق الأمان التقليدي، وفرض واقعاً جديداً يجعل حركة مرور ناقلات النفط والبضائع المتجهة من آسيا إلى أوروبا رهينة لترتيبات عسكرية ميدانية فرضتها وقائع القوة الصلبة على الأرض .
هذه السيطرة المزدوجة نتج عنها تداعيات فورية على الأسواق الدولية التى شهدت قفزات تاريخية لأسعار الوقود والطاقة حول العالم متجاوزة مستويات غير مسبوقة، وسط عجز واضح للآليات العسكرية التقليدية عن تأمين خطوط الملاحة المهددة بنيران الصواريخ والمسيرات، لتبرز إشارات واضحة على فشل سياسة الضغط الأقصى الأمريكية في ردع التحركات الإيرانية اليمنية المشتركة، ويجد العالم نفسه رهينة لمعادلة أمنية جديدة تدار فيها الممرات المائية الحيوية بمنظور القوة والنفوذ العسكري المباشر، مما ينذر بمرحلة من عدم الاستقرار المالي والاقتصادي التي ستلقي بظلالها الثقيلة على عواصم صنع القرار الغربي والأسواق العالمية لفترة طويلة قادمة ، خاصة فى ظل التعنت المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران أو بين ترامب والمرشد إن صح التعبير !! .