لست من هواة التدخل في شؤون الحياة الشخصية للآخرين ، حتى النجوم والمشاهير من الفنانين والإعلاميين ، لكن عندما يتعلق الموضوع بقيمة وقامة مثل نجوى إبراهيم، فالأمر يختلف وأجدنى منحازا للمحبة التى تركتها داخلنا لأكثر من ٤٠ عاما ، ومن من جيلى ينسى ماما نجوى والمدعو ” بقلظ ” كأحد أهم برامج الأطفال في ثمانينات القرن الماضي ، وربما حتى الآن لم يأت الأفضل منه رغم بساطة ولن أبالغ إذا قلت ندرة الإمكانيات فى تلك الفترة !! .
أقول ذلك بمناسبة الهجمة الشرسة التى تتعرض لها مؤخرا أيقونة الإعلام المصري بل والعربي عقب تعليقها على أزياء وملابس الفنانات في الاحتفالات والمهرجانات بصفة عامة ومهرجان الجونة على وجه الخصوص !! .
ورغم إنني لا أعرف تفاصيل حياتها ولا أستطيع الحكم على أي خلاف يخصها، لكن هناك فرقا بين إنك تناقش موقفا أو تنتقد رأيا ، وإنك تختصر تاريخا وتبخس قيمة، فنجوى إبراهيم بالنسبة لي وللكثيرين غيرى كما ذكرت في البداية أيقونة ليس في الإعلام فقط وإنما في الذوق و حسن الاختيار ،وحتى عندما قدمت شخصية مختلفة عن صورتها المألوفة في فيلم «الأرض»، شاهدنا فى اختياراتها فنانة عندها مساحة للتنوع، دون أن تفقد ملامحها.
ففى صورتها التي عرفناها طوال عقود مضت ولا تزال هى إنسانة مؤمنة بالتقاليد دون تشدد، ومنفتحة على الحياة مع الالتزام باللياقة. مرحة، لكنها لم تجرح أحدا من أجل إضحاكنا ، وهو توازن أصعب بكتير من التطرف؛ لأن التطرف يعفي الإنسان من التفكير، أما التوازن فيحتاج ذوقا ووعيا ومراجعة للنفس.
من أجل ذلك وغيره الكثير والكثير مازلنا نتذكرها بكل هذا الحب والتقدير لأنها قدمت على مدى سنوات طوال صورة
للحياة فيها بهجة واحترام في نفس الوقت، وعلمتنا إن الأدب لا يتناقض مع الحرية، وأن الوقار ليس معناه إن الإنسان
يكف عن الضحك غير المبتذل .
وأقولها بصراحة ما أحوجنا إلى ” بقلظ ” يذكّرنا بأن الأخلاق ليست كلمات نرددها أمام الكاميرات، ولا شعارات نرفعها في
المناسبات، ولا نصائح نمنحها للآخرين بينما نستثني أنفسنا منها.
نحن في حاجة إلى من يذكّرنا بأن الإحترام لا يتجزأ، والكرامة لا تُمنح وفق المكانة، والحق لا يتغير بتغير صاحبه.
نحن في حاجة إلى من يعلّمنا أن المنصب لا يمنح صاحبه حق إهانة الآخرين، وأن النفوذ ليس رخصة للتجاوز، وأن الشهرة
لا تجعل صاحبها فوق النقد، وأن المسؤولية التي لا تقبل المساءلة تتحول من تكليف إلى استعلاء.
نحن في حاجة إلى من يذكّرنا بأن الشجاعة ليست في مواجهة الأضعف، بل في مواجهة الخطأ؛ وأن الرجولة ليست في
رفع الصوت، بل في قوة الموقف؛ وأن الأخلاق الحقيقية تظهر حين نمتلك القدرة على الإيذاء، ثم نختار السلام و السلامة .
نحن في حاجة إلى من يعلّمنا أن العدل ليس أن نطالب بحقوقنا وننكر حقوق غيرنا، وأن القانون ليس سيفًا نشهره في
وجه خصومنا ثم نبحث عن استثناءات حين يصل إلينا، وأن الاعتذار لا ينتقص من قيمة الإنسان، بل يكشف عن شجاعته
ونضجه.
نحن في حاجة إلى من يذكّرنا بأن قطع الأرزاق ليس أمرًا هينًا، وأن تشويه السمعة ليس خلافًا عابرًا، وأن الكلمة التي تُقال
باستخفاف قد تترك في حياة إنسان جرحًا لا يندمل.
نحن في حاجة إلى إعادة الاعتبار لأخلاق غابت عن بعض الممارسات، حتى أصبح البعض يطالب الناس بالفضيلة، بينما
يرفض أن يخضع هو نفسه لمعاييرها.
فالأخلاق ليست امتحانًا ننجح فيه أمام الناس، بل اختبارًا ننجح فيه أمام ضمائرنا ، والقيمة الحقيقية للإنسان ليست في
عدد من يخشونه، بل في عدد من يحترمونه؛ وليست في قدرته على إسكات منتقديه، بل في قدرته على مواجهة نقدهم
بالحجة؛ وليست في سلطته على الآخرين، بل في عدله معهم.
ختاما يمكن القول أن هناك أناسا نتذكر أعمالهم وابداعاتهم ، و إحساسنا ونحن نتفرج عليهم. وماما نجوى، بالنسبة لي
وكثيرون غيرى ، واحدة من أولئك الذين جعلوا طفولتنا اكثر حنانا ووعيا وخلقا دون إفراط أو تفريط .
ومن هذا المنطلق نقولها عالية ماما نجوى عودى وياليت معك “بقلظ ” ليس ليربّي الأطفال؛ ولكن لكى يذكر الكبار إنهم
كانوا يومًا أطفالًا، وإنهم تعلّموا من أمثاله أن هناك فرقًا بين ما نستطيع فعله وما ينبغي أن ننجزه .
عودي لتذكّرينا أن الأخلاق لا تُقاس بما نطلبه من الآخرين، بل بما نلتزم به نحن؛ وأن من يدعو إلى الفضيلة لا بد أن يكون
مستعدًا للخضوع لمعاييرها؛ وأن احترام القانون يبدأ من قبول المساءلة، وأن احترام الإنسان يبدأ من الاعتراف بحقه في