زيارة لم تكن مفاجأة ولكنها كانت متوقعة تلك التى قام بها ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة ، بعد تحولت اليمن إلى جبهة واحدة وأحكمت ” جماعة الحوثى ” المدعومه من إيران سيطرتها على باب المندب ، وإحتلالها مدن ” المخا ـ دى ياب ” وجزر ” ميون ـ حنيش ” المطلة على البحر الأحمر ، وإتجهت الأزمة بين ” السعودية ـ واليمن ” إلى مرحلة شديدة التعقيد ، ولم يعد الصراع محصورا على منطقة الخليج التى أوسعتها إيران ضربا بالصواريخ والمسيرات ، ولا فى مضيق هرمز الذى يمر خلاله 20% من نفط العالم ، وإنما إمتد بشكل دراماتيكى إلى البحر الأحمر وإزدادت المخاوف بشأن أمن حركة الملاحة العالمية والطاقة .
تأتى الزيارة والمملكة فى معادلة أمنية فرضتها الأحداث بعد أن كثفت جماعة الحوثى من هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيرة على منشآت ومصالح وبنى تحتية سعودية فى مدن الجنوب ( أبها ـ خميس مشيط ـ جازان ـ نجران ، وإمتدت الهجمات إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة ) وفى الوقت الذى إستهدفت فيه مسيرات قادمة من العراق خط أنابيب ” شرق ـ غرب ” الذى ينقل النفط السعودى من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الاحمر بوصفه ممرا إستراتيجيا يمر خلاله حوالى 5 مليون برميل يوميا ويمتد لمسافة 1200 كم ، وكونه الطريق البديل لـ “مضيق هرمز ” فى نقل نفط السعودية للأسواق الآسيوية ، وتشير أصابع الإتهام إلى ضلوع إسرائيل القيام بهذا الهجوم المربك !!
والحقيقة أن ” المتغطى بأمريكا عريان ” خاصة بعد أن تخلت أمريكا الحليف الأول للمملكة العربية السعودية عن الوقوف معها ومساندتها فى محنتها ، ويبدو أنها لم تستطع حتى الآن تقديم حل واضح لتلك المعضلة
بعد فشلها الذريع فى إسقاط النظام الإيرانى أو إحراز اى تقدم ملموس فى حربها مع إيران . وكونها لاتريد فتح جبهة جديدة ، وذلك على الرغم من أن أمريكا لها قواعد عسكرية فى أغلب دول الخليج ، وقد أصبحت الممرات الملاحية العالمية الحيوية ” هرمز ـ باب المندب ” مهددة وفى مهب الريح .
وفى ظل عدم وضوح الرؤية مع أمريكا ومع إتساع دائرة الخناق التى باتت تهدد إقتصاد دول الخليج ( صادرات الطاقة من نفط ” السعودية ـ البحرين ـ قطر ـ الكويت ـ الامارات ” ــ واردات السلع خاصة وأن دول الخليج تستورد من 80 : 90% من غذائها من الخارج ــ وأيضا تهديد إستمرا عمل الموانى البحرية لدول الخليج ” كان لابد من فتح قنوات إتصال مع إيران من أجل الحفاظ على سوق الطاقة المهدد بعد أن إرتفع سعر البرميل إلى قرابة الـ 107 دولار للبرميل لكن إيران ” المنتصرة ” وضعت شروطا قاسية لم تقبلها دول الخليج ، بداتها بفرض رسوم عبور فى المضيق .. إلخ .
قد يتساءل البعض : ماذا عن (تحالف مكة) بين السعودية وتركيا وباكستان ؟
هذا التحالف يعد رسالة تعاون بين دول العالم الاسلامى ، لكنه بالقطع فشل الدخول عسكريا فى الصراع الدائر بين السعودية واليمن .
وهنا يبقى السؤال : ماذا يريد ولى العهد السعودى من مصر ؟
وما الذى يمكن أن تقدمة مصر للمملكة السعودية ؟
بداية .. يخطى من يظن أن مصر يمكن أن ترسل قوات برية إلى اليمن وتعيد تجربة دفعت ثمنها فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر ، مصر لايمكن أن ترسل قوات برية إلى اليمن فى حرب مفتوحة ، وإنما هى من ناحية تبذل جهودا دبلوماسية لـ إحتواء هذا التصعيد الإقليمى بعد أن إتسعت دائرة المواجهات وإمتدت تداعياتها إلى المملكة السعودية و الأردن والخليج وطرق الملاحة والطاقة العالمية وبلغ الامر إلى إعلان جماعة الحوثى منع السفن السعودية من المرور فى باب المندب .
ومن ناحية ثانية مصر لاتريد تحويل الأزمة إلى حرب شاملة ، ورغم ذلك فإن مصر لديها الكثير ( لديها موقعها الجغرافى الذى يجعلها مرتبطة بأمن البحر الأحمر ــ ولديها قواتها البحرية والجوية القادرة على حماية الممرات البحرية ) . والسؤال : هل يمكن أن تترك مصر السعودية لتواجه تلك الأزمة بمفردها ؟ قولا واحدا (لا) .
مصر أمامها هامش واسع للتحرك من دون الدخول فى حرب برية ، وقد سبق لمصر أن دخلت التحالف فى عام 2015 وأرسلت قوات جوية وقطع بحرية ، واليوم يمكنها إرسال قوات بحرية لحماية الممرات ودفاع جوى لحماية المنشآت وتأمين المنشآت النفطية ، كما يمكنها تبادل المعلومات ، وتقديم الدعم اللوجيستى والإستخباراتى والتنسيق العسكرى المباشر ، هذا السيناريو الذى يكسب زيارة ولى العهد للقاهرة أهميتها .
محمد بن سلمان لايريد جيش مصرى ، أو أن تعلن مصر الحرب على اليمن .. وإنما أخطر مافى هذه الزيارة هو أنه يريد تحديد حدود الدعم المصرى للمملكة العربية السعودية ، وبالتأكيد الفرق واضح من أن تدخل مصر الحرب وأن تمنع الحرب من الدخول إلى حدودها وممراتها الحيوية ، ولذلك فإن ماتم الإتفاق عليه فى الكواليس يختلف تماما عما يعلن عنه أمام الكاميرات !!
بقى أن أشير إلى أن السعودية تعد أكبر منتج للنفط فى العالم بنحو 10:12 مليون برميل / يوميا أى أنها تنتج أكثر من 100 برميل فى الثانية الواحدة ، وهى تأتى بعد روسيا وأمريكا ، علما بأن أمريكا تستهلك معظم إنتاجها من النفط محليا ، ويصل حجم صادرات المملكة من النفط الخام إلى نحو 6.5 مليون برميل / يوميا ، وتقدم السعودية برميل واحد من كل 7 براميل النفط الخام المتداول عالميا ، ويصدر معظم النفط السعودى إلى ” الصين ـ اليابان ـ كوريا الجنوبية ـ الهند ” .
وأن إنتاج النفط السعودى إنخفض الشهر الماضى إلى أدنى مستوى له منذ عام 1990 ؛ حيث تعرضت طرق تصدير المملكة لضغوط بسبب هجمات إيران وميليشيا الحوثي في اليمن ؛ كما أن توقف خط أنابيب ” شرق غرب ” فى السعودية يهدد بفقد 4% من إمدادات النفط العالمية ، وفىةحال استمرار هذا التوتر يمكن أن يقفز سعر النفط الخام من 110 : 130 دولار للبرميل الواحد .. حفظ الله مصر