الكاتب الصحفي عبدالرازق توفيق يكتب : «مدينة الأبحاث العلمية».. والعاصمة الجديدة

«مصر ولادة»، هذه العبارة لم تكن يوماً مجرد شعارات، ولكنها حقيقة وواقع وعلى مدار التاريخ مصر أنجبت العلماء والرموز، والقامات العلمية فى مختلف المجالات، ولعلنا نسمع ونتابع نجاحات العلماء المصريين، والأطباء والمهندسين، يتفوقون فى دول العالم ويشار إليهم بالبنان، ولعل ما ورثناه من الأجداد من حضارة عظيمة علمت العالم وأفادت البشرية شاهد على العبقرية والتفرد تجرى فى دماء المصريين، وفى العصر الحديث هناك نماذج مصرية نفخر بها مثل الدكتور أحمد زويل الفائز بجائزة نوبل والدكتور مصطفى السيد والدكتور مجدى يعقوب والمهندس هانى عازر وغيرهم الكثير من العلماء الأفذاذ الذين ينتشرون فى دول العالم.
ولعل هذه الجينات مازالت تجرى فى دماء شباب وأطفال مصر الذين يحصدون المراكز الأولى فى المسابقات الدولية والعلمية فى مجال العلوم والرياضيات ونوابغ أبهرت العالم.
فكرة أو بحث واحد، قد تفوق عوائده وأرباحه ميزانيات دول بفضل عقول أبنائها واهتمامها واستثمارها فى بناء العقول والبحث العلمى الذى يبدأ أولى مراحل تقدمه من تقدم وفاعلية منظومة التعليم فى أى دولة.
الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال اجتماعه بالدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء، ووزيرى التعليم العالى والبحث العلمي، والتربية والتعليم والتعليم الفني، أكد على نقطة حيوية ومحورية نحن فى أشد الحاجة إليها وهى ضرورة انخراط الجامعات ومراكز الأبحاث فى دراسة وتناول القضايا والمشاكل والتحديات التى تواجه الدولة المصرية لبحثها وتقييمها وطرح توصيات وحلول عملية لها. انتهى كلام الرئيس، لكن لم تنته القضية، فنحن فى حاجة شديدة إلى منظومة متطورة للبحث العلمي، تحتوى وتضم وترعى وتتبنى وتدعم العقول والنوابغ المصرية، لكن السؤال المهم الذى أطرحه: هل المنظومة الحالية للبحث العلمى فى مصر تحقق الأهداف المطلوبة، أو المرجوة؟ هل تلبى آمال أو طموحات الدولة المصرية وتحدياتها، وحاجة إلى حلول وأفكار من خارج الصندوق لن تتأتى إلا بأفكار وأبحاث علمية تفك شفرة هذه التحديات والمشاكل وتفتح منافذ الحلول أمامها، ولماذا هذا فحسب؟ بل يجب أن تكون هناك أبحاث تصنع الفارق، وتشكل قيمة مضافة للاقتصاد المصري، وفى الأيام الأخيرة قرأت خبراً أن مواطناً مصرياً نجح فى عمل تطبيق ذكي، حصلت عليه 140 دولة فى العالم.
ميزانية أو مخصصات التعليم العالى فى مصر فى موازنة 2026-2025 بلغت 135 مليار جنيه منها 7 مليارات جنيه للبحث العلمى وفى ظنى أن هذا الرقم لا يناسب أهمية البحث العلمي، لكن الدولة تفكر بموضوعية ولو أنها وجدت نتائج وقدرة على بناء منظومة بحث على تحقق أهدافها، وأفكار وعوائد تصنع الفارق لربما خصصت عشرات المليارات للبحث العلمي، لكن هل هذا مبرر للحكومة؟ أم أنها يجب أن تتحرك فى اتجاه بناء وصناعة هذه المنظومة العصرية واختيار أفضل الخبراء والعناصر البحثية فى مصر، ومن يمتلكون القدرة على تشكيل هذه المنظومة التى يجب الاستثمار فيها وبقوة لأنها تشكل ثروة إذا ما وجدت الاهتمام والرعاية الكافية، والتدقيق، ولكن الأمر الذى يجب أن نبدأ فيه من الآن هو كشف حساب عما قدمته مراكز الأبحاث والبحوث المصرية الكثيرة والمتناثرة فى مناطق شتى، والخطوة الثانية إعادة هيكلة وبناء هذه المراكز بحيث تتحول من مراكز للموظفين التقليدية إلى أصحاب العقول الفذة.
لكن لدى اقتراح مهم، فإذا كان لدينا الكثير من مراكز الأبحاث والبحوث مثل المركز القومى للبحوث ويضم عشرات المعاهد والأقسام فى مجالات مختلفة مثل الصحة والصناعة والزراعة والبيئة ومركز البحوث الزراعية، ومركز بحوث الصحراء، والإسكان وهيئة الطاقة الذرية والقومى لبحوث المياه ومدينة الأبحاث العلمية والتطبيقية التكنولوجية فى برج العرب ومراكز متخصصة فى الإلكترونيات، والأمراض المتوطنة وغيرها من المراكز، إضافة إلى المراكز البحثية فى الجامعات المصرية.. والسؤال هنا: لماذا لا يتم تجميع هذه المراكز فى مكان أو مجمع واحد يمكن أن نطلق عليه «مدينة الأبحاث المصرية» وتكون بشكل عصرى كماً وكيفاً، الحجر والبشر، ويكون مقرها «العاصمة الجديدة» والاستفادة من المبانى والمنشآت الموجودة فى القاهرة والجيزة والإسكندرية ويكون هناك رابط واتصال متكامل بين هذه المراكز البحثية فى المقر الجديد، فمصر تقيم الآن كل مؤسساتها كما يقولون زى الكتاب ما بيقول وعلى أحدث نظم العصر وما يشهده من تطور وأيضاً اختيار العباقرة وأصحاب العقول الفذة والذين لديهم قدرة على صناعة الفارق وضخ الأفكار والحلول.
لكن الأمر المهم فى المدينة البحثية المصرية المقترحة، هو وجود كيان أو مؤسسة داخل «المدينة البحثية المصرية»، أو مجمع الأبحاث المصرية، يضم ويتبنى ويرعى ويدعم المخترعين والمبتكرين المصريين، وتقييم أفكارهم وقابليتها للتطبيق على أرض الواقع فى مختلف المجالات، وإتاحة الفرصة لهم وإيجاد نافذة لديها إرادة واهتمام كبير على الاستماع لأفكار واقتراحات واختراعات وابتكارات الشباب والنشء الجديد وهم كثر بالإضافة إلى كل من لديه أفكار واختراع وابتكار، كما يجب ربط هذه المدينة البحثية المصرية، بمراكز الأبحاث فى الجامعات والاستفادة بالخبرات والكوادر والإمكانيات بشكل متبادل، وأيضاً وجود لجنة أو مكتب فنى مشترك يضم مراكز البحوث المصرية، أو المدينة البحثية، ومراكز الأبحاث فى الجامعات، وقواتنا المسلحة الباسلة والشرطة الوطنية، لأن جميع المجالات والتخصصات تحتاج للمزيد من التطور والأفكار وهو ما يتحدث عنه الرئيس السيسى ويوكد عليه، فالجمهورية الجديدة لا تعمل بنظرية الجزر المنعزلة، ولكن بروح الفريق الواحد، بمنظومة تكاملية تتضافر فيها الأفكار والأبحاث والكوادر للخروج بنتائج وأبحاث وأفكار تدفع هذا الوطن العظيم الذى يستحق إلى مزيد من التقدم فى جميع المجالات، وإذا حقق البحث العلمى آمال وتطلعات الدولة، فليس لدى صانع القرار أن تكون مخصصات البحث العلمى شبه استثنائية من موازنة الدولة، لكن الأمر جد مهم.