عبد الناصر البنا يكتب: السادة المحافظين .. كفاكم استعلاء !!

عبد الناصر البنا

القضية التى شغلت الرأى العام فى فترة الثمانينات فى الأسكندرية هى قرار محافظها اللواء فوزى معاذ إلقاء الصرف الصحى فى البحر ، وهى المشكلة التى إمتدت إلى فترة تولى المستشار السيد إسماعيل الجوسقى . وهنا كان السؤال الذى شغلنا ونحن طلبة ندرس مادة الإدارة فى كلية الحقوق : هل الإدارة علم أم فن ؟

قطعا الإجابة متروكه لكم ، ولكن دعونى بداية أحكى لكم حكاية طريفة فى سالف العهد والأوان تعود إلى بداية الألفية وكنت أعد حلقات برنامج ” بيوت الرحمن ” لـ إذاعته فى شهر رمضان على شاشة الفضائية المصرية ؛ والحقيقة نحن ” الصعايدة ” ناس كما وصفنا ” جمال عبدالناصر ” دمنا حامى ورزلين ومانحبش حد يقول لنا ” تلت التلاتة كام ” .. ربنا خلقنا كده !!

حاصل القول أننى أحرص دوما حال نزولى للتصوير الخارجى ان أكون مالكا لـ ” أدواتى ” وأهمها التصاريح ، والمعلوم أن المساجد الأثرية لابد لها من تصريح من وزارة الأوقاف ومن المجلس الأعلى للآثار ، إضافة إلى تصوير شوارع من إدارة الاعلام والعلاقات بوزارة الداخلية ، كنا نقوم بالتصوير فى محيط جامع أحمد إبن طولون بمنطقة الخليفة واذ فجأة هبطت علينا سيدة مسنه يبدو عليها التعب والارهاق وكان البؤس باديا على وجهها ، إحتضنت الكاميرا وقالت بأسى : البيت اللى إحنا ساكنين فيه وقع .. وإحنا فى الشارع من شهر ومفيش حد سأل فينا !!

هدأت من روعها وأفهمتها أننا نقوم بعمل فيلم تسجيلى عن الجامع وأن أمرها بعيد عن عملنا . قالت : طيب ماينفعش توصلوا صوتنا للمسئولين ووعدتها بأنى سوف أحاول ، تركتنا وجلست عن قرب ترقب عملنا ، وأثناء التصوير توقفت سيارة ماركة ” لادا ” بستائر سوداء ونزل منها شخص منتفخ الأوداج يرتدى نظارة سوداء كبيرة ويحمل فى يدة جهازى لاسلكى وقد أحاط به ” سته ” مرافقين ” من ماسحى الجوخ وحاملى موبايلات الباشا ، إقترب مننا وبصوت أجش أشار بيده وقال ؛ إنتو مين ؟

طريقة الرجل وعنجهيته عرفت منها أنه عاوز ياخد اللقطة ؛ وبادرته : انت مين ؟ ممكن أتشرف بحضرتك ؟ قال : أنا رئيس حى الخليفة ؛ قلت : نحن فريق عمل القناة الفضائية المصرية بنعمل فيلم تسجيلى عن الجامع ، ووجدته متحفزا لـ أسئلة أخرى لا أول ولا آخر لها ؛ قطعت عليه الطريق وطلبت منه أن يتنحى جانبا حتى يقوم المصور بعمله ونتناقش نحن بعيدا ؛ بعد إذن حضرتك : إنت كده معطلنا عن شغلنا ، والله لو حضرتك كنت تابع لجهاز الشرطة أو الاوقاف أو الآثار كنت أطلعتك على التصاريح ، لكن للأسف نحن بعيد عن تخصصك ، بدأت ثقته فى نفيه تهتز ففضل الإنسحاب بهدووء .

ويشاء القدر أن تكون السيدة المسنة مازالت موجودة ترقب المشهد ، أشرت لها بيدى فجاءت مسرعة ؛ قلت لها : الراجل دا هو رئيس الحى المسئول عن بيتكم إللى وقع ، معلش يافندم دا صميم شغلك ، حاول الرجل أن يتملص منها وقال لها ؛ تعالى لى بكره فى مكتبى .. قلت لها : امسكى فيه وخدى الكارت بتاعه علشان تعرفى تدخلى له !!

حكاية ذكرتنى بالمحافظين الجدد ، والازمة التى أثيرت مؤخرا مع محافظ القليوبية وللأسف أغلبهم حافظين مش فاهمين شغلهم ؛ ودا يرجعنا للسؤال الوجودى عن معايير شغل الوظيفة العامة فى الدولة ؟ والسؤال الوجودى : أهل الثقة أم أهل الخبرة ؟ ولماذا الـ ” إصرار ” على اهل الثقة طالما ثبت فشلهم !!

التقليعة الجديدة المحافظ ينزل الشارع تحيط به ” برتيته ” وراه وقدامه وعن يمينه وعن شماله من حملة المباخر والموبايلات والمايك شغال على صدر البيه المحافظ ، وهاتك ياشتيمه وزعيق ؛ ولا الخولى مع عمال القطن والدودة ؛ وكأنما هو الحاكم بأمر الله أو ” قراقوش ” عصره وأوانه ، والحقيقة أن أغلب مشاكل المحافظات تدور حول ” إشغالات الطرق والباعة الجائلين ـ ضعف إمكانيات فى المدارس والمستشفيات ” والسؤال : هل سأل المحافظ نفسه قبل أن ينزل الى الشارع عن توفير مكان بديل للباعة الجائلين ؟ وعن مخصصات التعليم والصحة فى الموازنة العامة للدولة ؟ وعما اذا كانت هى بالقدر الكافى أم لا ؟

هل السيد المحافظ الذى تهكم على السيدة عندما قالت إنها تصرف من حيبها يعلم أن المواطن فى مصر يدفع ضرائب ويستحق خدمات ، وأن الضرائب فى الموازنة العامة الأخيرة تمثل حوالى 87% من عائدات ” الإستهلاك ـ المرتبات ـ القيمة المضافة وهى وحدها تمثل 35% من الحصيلة الضريبية إضافة إلى ضريبة المرتبات 9% ، فى حين أن الضريبة العقارية المفترض أنها من الضرائب الأساسية على الثروة مساهمتها لاتتجاوز نصف% ، وأرباح الشركات تمثل 14% فقط من تلك الحصيلة . أى أن الموظف هو الذى يتحمل العبئ الأكبر من مرتبة ، والمواطن يدفع ضريبة وهو بيشترى الغذاء والدواء والكساء ؛ وهو بيشحن تليفونه ؛ وهو بيرخص عربيته ، والقدر الاعظم من حصيلة الضرائب 79% تقريبا تستنزف فى فوائد الدين !!

كنت أتمنى أن يكون لدى من الوقت أحكى لكم فيه عن تجربة اللواء عادل لبيب فى محافظة قنا كنموذج يحتذى المحافظين به فى إدارتهم للمحافظات التى عملوا بها ، وكيف فازت المحافظة فى عهده بلقب ” أنظف وأجمل مدينة عربية فى عام 2004 ” ، وحصلت على درع المنظمة العالمية للبيئة كأنظف مدينة فى العالم العربى ، إنجازات تحققت فى 6 سنوات فقط كان سر النجاح فيها إعتماده على المشاركة المجتمعية ، وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب ، وفرض غرامات صارمة للحفاظ على النظافة والبيئة والمظهر الحضاري للمدينة أطال الله فى عمره وامده بالصحة والعافية .

السيد محافظ القليوبية منظرك كان مخجلا وأنت تعنف السيدة الفاضلة مديرة المدرسة لا لشىء إلا لتأخذ اللقطة ، أرجوك إعتذر لها فالاعتذار من شيم الكرام ولاتكابر ولاتتعالى ، وللمسئولين فى الدولة : أرجوكم علموا هؤلاء المحافظين سيكولوجية التعامل مع المواطنين ومع المسئول فى موقعه ، إعطوا لهم دورات فى القانون الإدارى وفى الإدارة العامة ، وفى قوانين المحليات ، علموهم مهام وظيفتهم وحدود مسئولياتهم .

المحافظات كلها هموم وقضايا أكبر من أخذ اللقطة ياسيادة المحافظ ، والله إنها مشاكل تنوء عن حملها الجبال ؛ والمواطن مضغوط فلا تزيدوه ضغوطا ، وكم اتمنى أن أرى المحافظ يدخل المكان تحت إدارته فيقول : أقدر أساعدكم إزاى ؟ أو إيه المشاكل عندكم علشان أساعدكم على حلها ، بدلا من الجرى وراء ” بائعه فجل ” تجرى على رزق عيالها ، أو على مدرسة أو وحدة صحية تعانى من مشاكل ونقص إحتياجات علشان ياخدوا اللقطة !!

حفظ الله مصر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.