تابعت ملف التعليم، بجناحيه قبل الجامعي والجامعي، منذ بداية التسعينيات وحتى الآن. وعاصرت خلال هذه الرحلة قامات علمية وأدبية وأكاديمية، اختلفت معها أحيانًا، واتفقنا أحيانًا أخرى، لكن ظل الاختلاف جزءًا طبيعيًا من المشهد، لا يفسد للإنسانية قضية.
وكان أكثر ما يعكر صفو اللقاء الصحفي الأول مع مسؤول جديد، أن يبدأ محاولًا ـ تصريحًا أو تلميحًا ـ كشف مثالب سلفه، أو النيل من نزاهته، أو تصيد خطأ هنا أو هناك. ومع ذلك، كانت العلاقات في أغلب الأحيان صحية، وكان لكل مسؤول مساحته في الاجتهاد، وللرأي العام حقه في التقييم.
أتذكر ذلك بمناسبة المؤتمر الصحفي الذي عقده الدكتور محمد السيد صادق، رئيس جامعة القاهرة، لتقديم كشف حساب عما أنجزته الجامعة منذ توليه رئاستها في الأول من أغسطس 2024، وفتح المجال أمام الصحفيين لطرح الأسئلة.
صحيح أن الإجابات التي عُرضت لم تخلُ من الدبلوماسية، وهذا مفهوم في مثل هذه المناسبات، لكن اللافت كان التذكير بجهود من سبقوه في رئاسة الجامعة، وذكر الدكتور حسام كامل، والدكتور جابر جاد نصار، والدكتور محمد عثمان الخشت، والتأكيد على أن كل واحد منهم أدى دوره في حدود مرحلته، وأن ما تحقق لا يمكن اختزاله في شخص واحد.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة الفكرة.
فالجامعة مؤسسة، وليست مشروعًا فرديًا وما ينجح فيها هو حصيلة عمل رئيس ونوابه وأعضاء هيئة التدريس والوكلاء والأمناء والجهاز الإداري، والطلاب أيضًا والمنظومة لا تستقيم إذا غاب أحد عناصرها، مهما كان اسم من يقف في مقدمتها.
ومن الملفات التي أشار إليها رئيس الجامعة مكتب النزاهة وما ترتب عليه من سحب أربعة عشر بحثًا. كما توقف عند واقعة قديمة تعود إلى عام 1997، حين حصلت الجامعة على منحة يابانية بقيمة مليون وثلاثمائة ألف دولار لتعليم اللغة اليابانية، وكان الاتفاق يشترط بدء النشاط قبل تحويل المنحة. لكن الاتفاقية لم تُفعّل، ولم تُتخذ خطوات تنفيذية، وظل الملف ساكنًا حتى تحول بعد سنوات إلى مأزق قانوني ودبلوماسي، مع مطالبة الجانب الياباني برد المبلغ.
المفارقة أن الجامعة لم تكن قد أنفقت المبلغ أصلًا، لكن وجود اتفاقية تحمل توقيعات مسؤولين جعل القضية أكثر تعقيدًا. وفشلت محاولات إعادة تفعيل الاتفاقية والاستفادة من المنحة، وتمسك الجانب الياباني باسترداد أمواله. وبعد مفاوضات دبلوماسية شاقة، أمكن الوصول إلى صيغة سمح معها البنك برد المبلغ، وانتهى الملف بخطاب شكر للجامعة واستعادة الثقة.
قصة كهذه لا تحكي فقط عن مبلغ مالي أو اتفاقية قديمة، وإنما تفتح سؤالًا أكبر: كم من الملفات التي تبدأ صغيرة، ثم يكبر ثمن إهمالها مع مرور الوقت؟
الجامعات الحكومية، عمومًا، تواجه مشكلات لا حصر لها؛ يدفع ثمن بعضها خريج قد لا يحصل على ما يؤهله لسوق العمل، ويظل باب التعيين أمام المعيدين وأعضاء هيئة التدريس محدودًا، بينما تظل منظومة المكافآت وتوزيع الموارد بحاجة إلى مراجعة مستمرة.
وفي الوقت نفسه، اتسعت مساحة التعليم الخاص بصورة هائلة. بدأت التجربة على استحياء في منتصف التسعينيات، ثم تحولت خلال عقود قليلة إلى طوفان من الجامعات والمؤسسات التعليمية، متفاوتة في مستوياتها، لكنها جميعًا تفتح أبوابها لمن يستطيع تحمل تكلفتها.
لا أحد ينكر أن هناك جهودًا إصلاحية جادة، ولا أن الجامعات الخاصة قدمت نماذج ناجحة في بعض المجالات. لكن إصلاح التعليم الحكومي لا يحتمل حلولًا تجميلية؛ فالعثرات المتراكمة تحتاج إلى إدارة تعرف قيمة المؤسسة، وتحترم من سبقها، وتملك شجاعة الاعتراف بما لم يكتمل.
فالمؤسسات الكبيرة لا تبدأ من الصفر كلما تغير رئيسها، ولا ينبغي أن تهدم ذاكرتها لتثبت نجاح حاضرها.
ربما يكون الإنجاز الحقيقي أن يضيف كل مسؤول حجرًا إلى البناء، ثم يتركه لمن يأتي بعده دون أن يطالبه بهدم ما بناه الآخرون كي يثبت أنه بدأ البناء من جديد.