الإعلامي محمود عبد السلام يكتب : رؤوف علوان : كبير المذيعين

الإعلامي محمود عبد السلام

المثقف الانتهازي هو أخطر أنواع اللصوص ، لا يسرق بالسكين بل بالقلم .. لا يقتحم البيوت بل يقتحم العقول ، هو شخص باع البوصلة مقابل الكرسي، وباع المبدأ مقابل المنصب، وباع الصديق مقابل التصفيقة

يتكلم باسم الشعب ويأكل على موائد السلطة .ز يرفع شعارات العدالة في المقال ويدوس عليها في الواقع .. هذا النموذج لم يمت بل تجدد .. إرتدي بدلاً أغلى وطلع على شاشات أكبر.

في رواية “اللص والكلاب” لنجيب محفوظ، يظهر رؤوف علوان كوجه للمثقف الذي تحول إلى سلعة.. كان يملك قلماً ولساناً مفوهاً، فاستخدمهما لا لمواجهة الظلم بل للمساومة عليه.. سرق أفكاراً لم تكن له ونشرها باسمه فصار المفكر الكبير وصاحب الرأي المسموع. وعندما واجهه من ظُلم باسمه، لم يعتذر ولم يواجه، بل أغلق الباب في وجهه قائلاً: “الصداقة لها حدود”.

رؤوف ليس شريراً صارخاً. هو شرير هادئ، يبتسم ويصافح ويعطيك محاضرة في الأخلاق وهو يطعنك في الظهر.

خيانته مغلفة بالمنطق: “الظروف تحكم”، “الواقعية السياسية”، “لازم نحافظ على الاستقرار”. جبنه يسميه “حكمة”.

وانتهازيته يسميها “براجماتية”. هو الذي يقول للفقير “اصبر” وهو يأكل في أفخر المطاعم. ويقول للثائر “القانون” وهو

أول من التف عليه.

رؤوف علوان لو كان يعيش اليوم، لكان أشهر مقدم توك شو .. نفس الملامح، نفس الأدوات. يأخذ وجع الناس من

الشارع، ويعيد تغليفه في حلقة بعنوان أزمة الضمير . في الفقرة الأولى يهاجم الفساد. وفي الفقرة الثانية يستضيف

الفاسد ويصافحه. يحول الجلاد إلى ضحية، ويحول الضحية إلى متهور . لا يقول الحقيقة كاملة.. يقول نصفها ثم يلحقها

بـ “ولكن يجب أن نراعي”. هو الإعلامي الذي يصرخ “أين الدولة؟” ثم يتصل بوزير ليحصل على منفعة خاصة.

الرواية اسمها اللص والكلاب . لكن من اللص الحقيقي؟ سعيد مهران سرق ليأكل.. سرق لينتقم.. سرق وهو يعلم

أنه مجرم.

أما رؤوف فسرق عمراً كاملاً.. سرق مستقبلاً.. سرق وطناً.. سرق كل ذلك وهو مرفوع الرأس ومُكرم، ويكتب

افتتاحيات عن الشرف !

سعيد لص الأشياء ورؤوف لص المعاني..  فأي السرقتين أقسى؟ محفوظ يجيب: الكلب يعض الجسد مرة، أما رؤوف

فيعض الروح كل يوم.

في عالم الرواية ميزان العدالة مقلوب.. سعيد دفع ثمن غلطته بالسجن، ثم دفع ثمن فقره بالمطاردة، ثم دفع ثمن

غضبه بحياته. رؤوف لم يدفع شيئاً. بل ترقى. صار رئيس تحرير. صار صاحب رأي. صار قدوة . هذه هي قسوة محفوظ

وعبقريته. لم يمنحنا نهاية عادلة، لأنه كان يصف واقعاً غير عادل.. في هذا الميزان الصدق جريمة، والخيانة مهارة.

والغبي هو من يصدق كلامه.

انتهت رواية “اللص والكلاب” منذ عقود لكن رؤوف علوان لم يمت .. رؤوف لم يدفن في مقابر الصدقة.. رؤوف انتقل

للاستوديو ستجده الآن على الشاشة، يلبس كرافتة، ويتحدث عن القيم. ستجده على تويتر، يكتب عن النزاهة.

ستجده في الندوات، يلقي محاضرات عن الوطنية. نفس البرود، نفس الازدواجية، نفس الجملة التي تبرر كل شيء.

الفرق الوحيد أن الكاميرا التي كانت تصور سعيد وهو يموت في الصحراء أصبحت الآن تصور رؤوف وهو يحاضر عن

الأخلاق.

ولذلك تظل اللص والكلاب رواية لا تشيخ لأننا كل يوم نكتشف أن اللص الحقيقى لم يكن في الشارع .. كان في

الاستوديو.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.