محمد نبيل محمد يكتب : الصورة الذهنية لنصر أكتوبر وهزيمة كيبور 44
جولدا تردد تسير على خطى أستاذها بن جوريون:"الرأى العام العالمى ليس مهما"

“لا يهمنا العالم والدول الكبرى، وما يهم فقط هو رؤيتنا نحن لاسرائيل الكبرى”..جولدا تضع خطا عريضا ومستقيما ينتهى بمستقبل الكيان ويبدأ من نصيحو استاذها ديفيد بن جوريون الذى نقلت توجيهه لاستراتيجية الكيان:”الرأى العام العالمى بل والرأى العام أمور غير مهمة، وسوف يحكم التاريخ على اسرائيل بسجل أعمالهالا بعدد المقالات المؤيدة لها فى الصحافة العالمية”.. هكذا فى الفصل العاشر تنقل عن استاذها كيف تدار دبلوماسية الكيان وسياستها الخارجية فى المعاهدات والعلاقات الدولية، بل وفى الشأن الداخلى للكيان فلا أهمية لكلاهما لدى السياسى والعسكرى العبرى بل، وعن عزلة بن جوريون إلأى مستعمرة “سدى بوكر” ورفضه لتوسلات جولدا وقادة الكيان لعودته للعمل العام، ورغم تناقض افعال بن جوريون وأقواله التى تكشفها جولدا فى الفقرة الأولى من الفصل العاشر:”استقال بن جوريون من رئاسة الوزراء ووزارة الدفاع وحل محله فى يناير 1954 موشيه شاريت مع احتفاظه بوزارة الخارجية”وتستطرد”عاد ـ بن جوريون ـ وزيرا للدفاع ثم رئيسا للوزراء وعاد شاريت وزيرا للخارجية فقط”..هذا هو استاذها الثعلب الذى يتلاعب بالجميع، وهكذا هى سارت على خطاه، فهو لها بمثابة الناصح، فتقول:”ومع اننا كنا جميعا نحب شاريت أكثر من بن جوريون، فإننا بما فينا شاريت لم نكن نجد سوى بن جوريون ملجأ نلوذ به بحثا عن النصيحة”(!).
“كان يرى أن المهم فى النهاية هو ما يفعله الاسرائيليون وكيف يفعلونه، وليس مهما ما يظنه العالم فى الخارج أو يقوله عنهم”.. وتستطرد عن بن جوريون”كان سؤله لنا دائما عند عرض أى موضوع عليه:هل سيخدم فى المدى الطويل دولة اسرائي؟”.. هى تراه يؤسس روؤية الكيان المستقبلية فى علاقاتها مع شعوب الجوار والعالم كله.
“ظل بن جوريون برغم ابتعاده يضع يده فوق دفة الأمور فى الدولة”.. هى تراه مثلها الأعلى فى السياسة وادارة الكيان، فهل فى فصلها الأخير الخامس عشر من كتاب اعترافاتها ستفعل مثل استاذها وتبقى مؤثرة على الكيان ؟ أم أن الهزية كانت أكثر تأثيرا عليها وعلى مصيرها القادم؟
هى تعترف فى فصل “النهاية” بما لن ينكره عبريا ولا غربيا بعد ذلك وهو:”كان يبدو لى فى بعض الأحيان أن كل ما وقع منذ بعد ظهر يوم 6 أكتوبر قد وقع فى يوم ممتد لا نهاية له، وكنت أريد لهذا اليوم أن ينتهى”.. لا أحد يتوهم بانتصار الكيان بل اليقين باعتراف رئيسة وزراء الكيان أنهم انهزموا، وهزيمة مذلة !,
حتى أنها تلقت النقد والقذف والسخرية من الجميع:”وطغى الضيق على صدرى”.. إزاء اللوم والإهانة الموجهة إليها:”والقذف الذى انهال على وعلى دايان وجاليلى”.
“استقال دايان..”وتستطرد”الضجة التى اثيرت حوله داخل الحزب جعلت الانشقاق بين صفوفه أمرا وشيك الخطر”.
تذهب جولدا لمسار استاذها وتعلن اكتفائها بخمسة اعوام لرئاسة الوزراء وانها تطلب التنحى ، وكانت تعتقد فى تمسك الرأى العام بها كما حدث مع بن جوريون، لكن..:”ان خمسة اعوام فترة كافية، وأنه لما يفوق طاقتى أن استمر فى تحمل هذا العبء”..”واتوسل اليكم الا تحاولوا اقناعى بالعدول عن رأى لاية اسباب”..”كنت على وشك أن اتم خمسين عاما من الخدمة العامة.. ” وتختتم :”وانتهت حياتى السياسية”!.
لكنها تأبى أن تغادر اعترافاتها إلا بعد أن تضيف نصرا لها ، فما هو النصر الذى انهت به جولدا حياتها السياسية؟..تعترف:”تم ابرام اتفاق لفصل القوات..” وتستطرد”وتم توقيع هذه الاتفاقية فى جينيف يوم 5 يونيه (حزيران) وعاد أسرانا”.. جولدا تعترف فى فصلها الأخير أن أهم نصر لها هو عودة اسرى الكيان “المنهزم” من مصر “المنتصرة” .. ورغم نشوة الفرحة بالعودة للأسرى إلا أنها ممزوجة بالحسرة، فتعترف:”يعجز قلمى عن وصف المعانى التى جاشت فى نفسى وأنا أحييهم لدى عودتهم، رغم أن العدد الذى عاد من الأسر كان أقل مما كنا نأمل”.. عنوان “النهاية” الذى اختارته جولدا لفصلها الأخير يتناغم تمام النغم من ما يشنف الآذان ويثلج الصدورويخرس الألسن ويسخر من هؤلاء الكذابون الذين كانوا يروجون لصورة ذهنية غير حقيقية يخدعون بها شعبهم واجيالهم القادمة وييورثونهم نصرا “زائفا” تخلد صوره وتتضح معان “الهزيمة” الحقيقية فى وجدان وعقل وسمع وبصر كل عاقل عبرى وغربى..
ثم تنهى جولدا اعترافاتها عن هزيمة كيبور للكيان، ونصر أكتوبر للمصريين :”ثم عدت إلى بيتى بلا رجعة هذه المرة”!!!
وسنبدأ اعترافات وزير الهزيمة “موشيه دايان” إن شاء الله فى القادم.