جلست في أحد المقاهي داخل محطة الأقصر للقطارات، أراقب حركة الناس من بوابة الدخول، وهذه عادة قديمة لدي؛ أحب أن أتأمل سلوك الناس، وطريقة لباسهم، والتغيرات التي تطرأ على المجتمع من حولنا، وخاصة ما يتعلق بمظهر المرأة المصرية، باعتباره جزءًا مهمًا من الصورة الاجتماعية والثقافية للمجتمع.
لفت نظري هذه المرة مشهد لم أعد أراه نادرًا كما كان من قبل. من بين كل عشر نساء تقريبًا، بدا لي أن خمسًا منهن يرتدين النقاب.
قد تكون ملاحظتي شخصية، وليست إحصاءً علميًا، ولا أدعي أنها تمثل جميع نساء الأقصر. لكن الملاحظة دفعتني إلى سؤال أكبر: هل يتغير المشهد الاجتماعي والبصري في صعيد مصر بصورة متسارعة؟
فأنا لا ألاحظ ذلك في الأقصر وحدها، بل أرى مظاهر مشابهة في أسوان، وبدأت ألاحظها أيضًا في بعض قرى النوبة، وهي مناطق لها خصوصيتها الثقافية والاجتماعية، وتقاليدها وعاداتها التي تشكلت عبر أجيال طويلة.
لكن دعونا نضع الأمر في مكانه الصحيح.
السؤال ليس: هل من حق المرأة أن ترتدي النقاب؟
بالتأكيد، هذا اختيار شخصي، ومن حق الإنسان أن يمارس ما يؤمن به، ما دام لا يفرضه على الآخرين.
السؤال الذي يشغلني هو: لماذا ينتشر هذا النمط بهذه الصورة؟ وهل نحن أمام اختيارات فردية متزايدة، أم أمام تغير ثقافي واجتماعي أوسع؟
منذ فترة قصيرة، عشت موقفًا جعلني أكثر حساسية تجاه هذه المسألة. كنت أجلس مع أفراد من العائلة، ودخلت علينا إحدى الفتيات، وهي في السنوات الأولى من دراستها الجامعية. وبحكم أنني عمها، فوجئت بأنها رفضت مصافحتي.
لم يكن ما أدهشني مجرد عدم المصافحة، وإنما الإحساس بأن هناك تغيرًا في بعض المفاهيم الاجتماعية التي تربينا عليها؛ مفاهيم كانت تفرق بين الاحترام، وصلة الرحم، والعادات العائلية، وبين الاختلاف في درجة الالتزام الديني.
وهنا أقولها بوضوح: أنا لا أهاجم الدين، ولا أهاجم المنتقبات، ولا أقول إن كل منتقبة تنتمي إلى تيار سياسي أو فكري معين.
لكن ما يقلقني هو شيء آخر: أن يتحول التدين من علاقة روحية وأخلاقية بين الإنسان وربه، إلى مجموعة من المظاهر والقواعد الاجتماعية التي تضيق مساحة الاختلاف، وتجعل المجتمع يتحرك تدريجيًا نحو نموذج واحد في الملبس والسلوك وطريقة التفكير.
مصر ليست مجتمعًا وُلد بالأمس. مصر لها شخصية حضارية وثقافية عميقة، والأقصر وأسوان والنوبة تحديدًا تحمل طبقات هائلة من التاريخ والعادات والتقاليد التي تشكلت عبر آلاف السنين.
وفي صعيد مصر، كان التدين الشعبي في جانب كبير منه مرتبطًا بالروح المصرية، وبالموروث الصوفي، وبالمناسبات الاجتماعية، وبعلاقة قوية بين الدين والحياة اليومية، دون أن يعني ذلك بالضرورة الانغلاق أو رفض الآخر.
لذلك أتساءل: هل نحن أمام تغير في الذوق العام فقط؟ أم أمام تحول أعمق في الثقافة الاجتماعية؟
والأمر لا يتعلق بالنقاب وحده.
فالزائر الأجنبي الذي يأتي إلى الأقصر أو أسوان لا يرى المعابد والنيل والتاريخ الفرعوني فقط، بل يرى المجتمع المصري أيضًا.
وبصفتي مرشدًا سياحيًا، تعرضت بالفعل لأسئلة من بعض السائحين حول التغيرات التي يرونها في ملابس النساء وطبيعة المجتمع المصري.
وهنا يجب أن نكون حذرين .. لا أريد لمصر أن تتحول إلى نسخة من أفغانستان. وفي الوقت نفسه، لا أريد أن أضع كل امرأة منتقبة في خانة التطرف، فهذا ظلم لا أقبله
المشكلة ليست في قطعة قماش .. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح المجتمع غير قادر على قبول الاختلاف.
عندما يصبح من ترتدي النقاب أفضل من غيرها ، أو تصبح من لا ترتديه أقل تدينًا ، أو يتحول الاختلاف في الرأي الديني إلى قطيعة عائلية ،أو يبدأ البعض في فرض رؤيته الخاصة على الآخرين باعتبارها الحقيقة الوحيدة.
هنا يجب أن نتوقف.
مصر لا تحتاج إلى معركة بين “المتدينين” و”غير المتدينين”. ولا تحتاج إلى حرب بين المنتقبات وغير المنتقبات.
مصر تحتاج إلى تدين يحترم الإنسان، وثقافة تحترم الاختلاف، ودولة تحمي حق الجميع في ممارسة معتقداتهم دون أن يتحول ذلك إلى فرض على الآخرين
وأخشى تحديدًا أن نخطئ في قراءة الظاهرة.
إذا كان انتشار النقاب نتيجة اختيار شخصي حر، فعلينا احترام هذا الاختيار.
أما إذا كان وراءه ضغط اجتماعي، أو خوف، أو خطاب ديني متشدد، أو تأثير جماعات تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق نموذج واحد، فهنا يجب أن نناقش الظاهرة بهدوء وشجاعة، بعيدًا عن التخوين والاتهامات.
ولست من أنصار التهويل. لا أقول إن مصر ستتحول غدًا إلى أفغانستان. ولا أعتقد أن كل منتقبة مشروع سياسي، ولا أن كل رجل ملتحٍ يحمل أجندة سياسية.
لكنني أؤمن أن التغيرات الصغيرة في المجتمع تستحق أن نراقبها ونفهمها قبل أن تتحول إلى تغييرات كبيرة.
ولهذا أسأل: إذا استمر هذا الاتجاه لعشر سنوات قادمة، كيف سيبدو المشهد الاجتماعي في صعيد مصر؟ هل سيظل التنوع الذي عرفناه جزءًا من شخصية المجتمع؟ وهل نستطيع أن نحافظ على هويتنا الحضارية المنفتحة، وفي الوقت نفسه نحترم التدين الحقيقي الذي يختاره الإنسان لنفسه؟
أنا ضد فرض النقاب على المرأة، كما أنني ضد فرض خلعه عليها.
أنا مع أن تختار المرأة ما تراه مناسبًا لها، ومع أن يبقى الاختيار اختيارًا حقيقيًا، لا نتيجة ضغط اجتماعي أو خوف أو ترهيب.
وأؤمن أن مصر تستطيع أن تكون متدينة دون أن تكون منغلقة، ومحافظة دون أن تكون متشددة، وحديثة دون أن تتخلى عن جذورها.
هذه ليست معركة ضد الدين.
إنها دعوة إلى أن نفرق بين الدين كقيمة روحية وأخلاقية، وبين بعض القراءات المتشددة للدين عندما تتحول إلى مشروع لفرض نمط واحد من الحياة على المجتمع.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ما أراه اليوم في شوارع الأقصر وأسوان مجرد تغير طبيعي في المجتمع؟ أم أننا أمام تحول ثقافي أكبر يحتاج إلى أن نفهمه قبل أن نحكم عليه؟
أنا لا أصدر حكمًا. أنا أطرح سؤالًا.
والاختلاف حق ، لكن الاختلاف أيضًا له أدب .. فمن يختلف معي، فليختلف بالحجة،ومن يرى أنني أخطأت، فليصحح لي بالمعلومة، ومن يغار على دينه، فليثبت أن أجمل ما في الدين هو الأخلاق قبل الغضب.