الإعلامي محمود عبد السلام يكتب : أحمد بهاء الدين يكتب للوطن لا للسلطة

انقض ثلاثون عامًا على رحيل أحمد بهاء الدين. وبعد شهور معدودة ندلف إلى مئويته الأولى. وبين الذكرى والمئوية مسافة جديرة بأن نغرس فيها مشروعًا وطنيًا، لا أن نمرّ بها مرور العابرين.
إن النقاش الدائر اليوم حول مستقبل الإعلام في مصر يفتقر إلى مرجعية. وسيرة بهاء الدين تقدم تلك المرجعية كاملة غير منقوصة. كان يقينه راسخًا: لا إصلاح بغير مناخ من حرية الفكر وحرية القول. وما عداه زخرف شكلي سرعان ما يتساقط.
وتشهد على ذلك وقفته مع الرئيس السادات. جمعتهما مودة، غير أن المودة لم تصرفه عن الحق. فلما صدر قرار بإعادته إلى “روزاليوسف” بعد نجاحه الباهر في “دار الهلال” ورئاسته “المصور”، رفضه. عدّه إملاءً بلا مشورة، فرفع إلى الرئيس رسالة احتجاج قاسية. وفي عام 1972 كان في طليعة من وقعوا “بيان الحكيم” متضامنًا مع الطلبة، انطلاقًا من واجب وطني في نصرة حركة تبتغي استرداد الأرض وطي صفحة النكسة. وقد خلّد مرارة تلك العلاقة في كتابه “محاوراتي مع السادات”.
منذ يفاعته الصحفية وحتى أرهقه المرض وأقعده، رسم بهاء خريطة لضمير عام كان من الأوائل الذين أدركوا أن التاريخ ليس سردًا للحوادث، بل معملاً للفهم وأداة لصياغة السياسات ، وتجلى ذلك في “أيام لها تاريخ” الذي صار زادًا في بيوت كثيرين ومنارًا سار على هديه أجيال لاحقة: صلاح عيسى، وجلال السيد، ومحمود عوض.
في كل ما كتب كان يشد الماضي إلى الحاضر بحبل متين. دافع عن الاستقلال الوطني كما دافع عن العدالة الاجتماعية. وتصدى للتمييز الطبقي ولمن يريدون إسكات العقل. وفي هذا الامتداد كان أقرب ما يكون إلى مشروع طه حسين: عقلانية منفتحة، وتعدد لا يقصي، ورفض للتعصب.
منحته دراسته للقانون سعة الأفق، لكن قلمه لم يأسر نفسه في السياسة. اقتحم ما نسميه اليوم “المجال العام”: كتب في الثقافة والفن والعمران والتراث. ومن يطالع “مقالات لها تاريخ” التي جمعها رشاد كامل يدرك مدى اتساع دائرة معارفه مع كبار المفكرين، وعلى رأسهم طه حسين. كما يتبين تحذيره المبكر من عبث “التطوير” الذي يمحو النسيج العمراني بلا وعي ولا هوية.
وكانت لغته سلاحه. يبسط الفكرة الكبرى بلا تعقيد، فيحتفظ لها ببهائها ولا ينتقص من متعتها. وكان انحيازه لفلسطين وللعروبة نابعًا من إدراك للمصلحة وحسابات الأمن القومي، لا من خطابة جوفاء. ومعاركه من أجل العربية كانت دفاعًا عن هوية وحضارة ومصير مشترك. وهذه القضايا اليوم تمر بأعسر أوقاتها، وقد فقد العرب كثيرًا من قدرتهم على إدارة معادلات الصراع وصناعة القرار.
وموقفه من الانفتاح الاقتصادي
ولم يكن بهاء الدين ضد التحديث الاقتصادي، لكنه كان ضد انفتاح أعمى بلا ضابط ولا ميزان.
رأى في الانفتاح الاقتصادي إذا تُرك للسوق وحده دون دولة راعية، بابًا لاستقواء رأس المال على حساب الطبقات الكادحة، ومدخلًا للفساد ولتبديد الثروة الوطنية.
كان يطالب بانفتاح “عاقل” يحمي الصناعة الوطنية، ويصون العدالة الاجتماعية، ويجعل من الاقتصاد وسيلة لرفعة الإنسان لا غاية في ذاته.
فالحرية الاقتصادية عنده لا تنفصل عن الحرية السياسية، ولا عن كرامة المواطن.
وإذا كان قد انشغل بالقضايا الكبرى، فإنه لم يغفل التعليم. عامله معاملة الماء والهواء. رآه المدخل الأوحد لأي نهضة، فردية كانت أم قومية، وظل يذود عنه بوصفه حقًا أصيلاً لا منّة.
إن ما نعايشه اليوم في ملف التعليم والعقل العام وفي مسار الاقتصاد لا يبعث على ارتياح. معادلة الإصلاح مختلة، وأدوات صون العقل واهية. من هنا تغدو العودة إلى أحمد بهاء الدين ضرورة عملية، لا طقسًا احتفاليًا. نحتاجه إنصافًا لرجل بذل الكثير، ولأن كتاباته قد تكون طوق النجاة لما نحن فيه.
لأنه ببساطة كان يكتب للوطن… لا للسلطة.