في أزقة القاهرة القديمة، حيث تضيق البيوت وتتسع الحكايات، وفي قلب حي الجمالية الذي ولد فيه عام 1911، تشكل وعي نجيب محفوظ.
كان يستيقظ على صوت الباعة، ويرى من نافذة بيته مآذن الحسين والغورية، ويشم رائحة الخبز من الأفران وتراب الحارات بعد المطر. لم تكن الجمالية مجرد مكان ميلاد، بل كانت أول مكتبة قرأ فيها الإنسان. تعلم فيها أن لكل باب حكاية، ولكل عتبة سر، وأن التاريخ لا يسكن القصور وحدها، بل يسكن أيضاً في دكان العطار وفي قهوة المعلم.
ارتباط وجداني بالشارع: أبطال من الهامش
لم يبحث نجيب محفوظ عن أبطاله في كتب التاريخ الكبرى، بل التقطهم من الشارع.
منح صوته للساقطين والمهمشين والمنسيين. لسيد سيد الرحيمي ، و، ولحميدة، وسعيد مهران ولجعفر الراوي.
شخصيات هامشية في نظر المجتمع، لكنها في عالمه كانت مركز الكون. كان يرى في بائع الفول فلسفة، وفي الراقصة مأساة، وفي الفتوة قانوناً.
بذلك حول الحارة إلى ملحمة، والقهوة إلى برلمان، والزقاق إلى مسرح تتقاطع فيه المصائر. لم يكتب عن المهمشين شفقة، بل كتب عنهم لأنهم هم الحقيقة.
تخطى محفوظ الواقع ليصل إلى سؤال أكبر: من نحن؟ وإلى أين نمضي؟
في “أولاد حارتنا” سأل عن الدين والسلطة والإنسان منذ الأزل.
وفي “الثلاثية” جعل من كمال رمزاً للعقل الذي يبحث عن الله في زمن متغير.
وفي “اللص والكلاب” و”السراب” و”ميرامار” كان يفتش عن معنى الحرية والذنب والوحدة.
لم يقدم إجابات جاهزة. كان يترك شخصياته تواجه القدر، وتسقط، وتنهض، كما يفعل الإنسان في الحياة. فلسفته لم تكن تجريداً بارداً، بل كانت سؤالاً ساخناً يخرج من قلب القاهرة
كان نجيب محفوظ مؤرخاً اجتماعياً بامتياز. رصد تحولات مصر من الملكية إلى الثورة، ومن الاستعمار إلى الانفتاح.
كتب عن الصراع بين الأجيال، وعن صعود البرجوازية وتآكل القيم، وعن المرأة بين التقاليد والحداثة.
لم يجمّل الواقع ولم يشوهه. وضعه على الطاولة كما هو: بفقره وفساده وحبه وغدره. لذلك ظلت رواياته صالحة لكل زمن، لأنها تتحدث عن الإنسان المصري في لحظات انكساره وانتصاره.
بعد محاولة الاغتيال عام 1994، ودخوله “فترة النقاهة”، خرج علينا نجيب محفوظ بشكل جديد. قصص قصيرة جداً سماها “أحلام فترة النقاهة”.
لم تعد روايات طويلة، بل ومضات. جمل كالسكين.
تحدث فيها عن الموت والحياة والله والسياسة والسخرية والعبث، بلسان حكيم أنهكه المرض لكن لم ينهكه الأمل.
كانت تلك الأحلام خلاصة عمر. كأنه جلس على عتبة الدنيا يودعها بحكمة العارف.
رحل نجيب محفوظ في 30 أغسطس 2006، لكنه لم يغادر القاهرة.
ما زال يمشي في الجمالية كل ليلة، يجلس على مصطبة، يشرب الشاي، ويستمع.
ما زال يرى حميدة تهرب، ويرى كمال يبحث، ويرى الفتوة يسقط.
لأنه لم يكتب بالحبر فقط، بل كتب بذاكرة المدينة.
وإذا كانت الحياة نهراً، فإن نجيب محفوظ اختار أن يكون الجسر الذي نعبر عليه من الواقع إلى المعنى، ومن الشارع إلى الخلود.
رحم الله صاحب “الثلاثية”… الذي جعل من حارة مصرية صغيرة، مرآة للإنسانية كلها.