الكاتب الصحفي عبدالرازق توفيق يكتب : «العزلة الاقتصادية».. عنوان الفشل الأمريكى

الكاتب الصحفي عبد الرازق توفيق

قبل أيام قلت فى مقالى إنه كلما خرج الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بتصريحات متفائلة عن المفاوضات مع إيران وكلما التقى ترامب بنذير الشؤم والخراب بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الصهيونى، كلما أيقنت أن القادم أسوأ، وأن الحرب مستمرة لا نهاية لها، وأن اتخذت أشكالاً مختلفة لكن تبقى الحقيقة الراسخة أن ترامب يغامر بمستقبل العالم، والاقتصاد العالمى ويزيد من أوجاع الدول والشعوب ويجعل كل دول المنطقة تضع يدها على قلبها، والشعوب تتحسس جيوبها ويبدو أن ترامب الذى خرج قبل الحرب ليعلن أن النظام الإيرانى سوف يسقط فى غضون أيام معدودة وإذا بالحرب تصل إلى ما يتجاوز 160 يوما دون نهاية فى فشل واضح لا تخطئه العين لأقوى جيش فى العالم فى تحقيق أهدافه العسكرية ومعه ضياع هيبة أمريكا وجيشها، وفقدان الثقة فى قدرتها على حماية الحلفاء من دول المنطقة من ضربات إيران، لذلك اتجهت هذه الدول إلى تشكيل تحالفات مع دول أخرى من أجل حمايتها كبار العسكريين الأمريكيين أكدوا بما لا يدع مجالا للشك خاصة رئيس هيئة الأركان الأمريكى بأن الحل العسكرى مع إيران لن يحقق شيئا، وبالتالى أيضا هناك مخاطر جسيمة من الاتجاه إلى الهجوم البرى، قد يؤدى إلى خسائر فادحة لا تتحملها واشنطن خاصة تلك الخسائر البشرية، والحل العسكرى الذى فشل مع إيران زاد من عنادها، واصرارها على مطالبها، وعدم الرضوخ لأمريكا أو التنازل عن أى شرط بل تجاهر بهذه المطالب، ورفضها القاطع لفتح مضيق هرمز الذى بات يشكل ألما وجرحاً عميقاً فى جسد الاقتصاد العالمى، ومع الإعلان وتصاعد الأحداث، ترتفع أسعار برميل النفط لتقترب من 90 دولاراً، وهو رقم قابل للزيادة فى ظل حالة الضبابية، وعدم وجود أفق سياسى وتفاوض لإنهاء الحرب.
تمخض عقل ترامب الذى يعرف ماذا يريد من الحرب لكنه عاجز من تحقيق أهدافها، ورغبته العارمة فى الاستيلاء على مضيق هرمز، والبدء فى إزالة العوائق أمام «الممر الهندى» لضرب طريق الحرير الصينى، ينتوى ترامب فرض حصار اقتصادى بحرى غير مسبوق على حد قول الرئيس الأمريكى ويستعد وزير الخزانة الأمريكى لاتخاذ إجراءات وتدبير سيكشف عنها لاحقا تكشف ملامح عزلة اقتصادية لإيران مع استمرار الحصار البحرى لمنع أو خروج أى سفن من وإلى الموانئ الإيرانية، والحقيقة أن تقديرات الإدارة الأمريكية فى جميع مراحلها خاطئة، ولم تجد نفعاً ولم تحقق هدفاً، لكن الحقيقة الواضحة أن مخطط واشنطن لفرض حصار اقتصادى وبحرى على إيران وعزلها اقتصاديا يعنى فشلاً عسكرياً أمريكياً لا تخطئه العين، بعد أكثر من ٦ أشهر، وما قبلها من هجوم الـ 12 يوما، لم تسقط النظام الإيرانى، ولم تحرز أى جديد فى الملف النووى ولم تفتح مضيق هرمز الذى دخل ضمن معضلات المواجهة أو دخل على الخط خلالها حين أحكمت إيران قبضتها على المضيق وفشلت كل المحاولات الأمريكية فى فتحه أمام الملاحة، وحتى التصريحات الأمريكية أو الترامبية كشفت فشلاً عجزاً وارتباكاً.
ظنى أن العزلة الاقتصادية التى ستفرضها أمريكا على إيران هى محاولة بائسة لتحقيق شيء ما يحفظ ماء الوجه الأمريكى، أو هروب من الحقيقة المرة، أن الحرب الأمريكية آتت بنتائج عكسية بدلاً من الرهان الأمريكى الفاشل على تفجير الجبهة الداخلية الإيرانية، وبث الفوضى والمظاهرات والاعتصامات، جاءت الحرب لتوحد الإيرانيين وهذا زاد من عناد الدولة الإيرانية، لذا العناوين، أمريكا تهدد وإيران تتحدى بل فان التصريحات الإيرانية تكشف عن حالة من عدم الخوف من الأسد الأمريكى الجريح، الذى تهاوت هيبته فى الغابة وما يعيشه العالم بالفعل هو قانون الغاب، قولاً واحداً خسرت أمريكا الحرب العسكرية وفشلت فى تحقيق أهدافها ولم تنجح الضربات الجوية فى تحقيق ذلك وهذا ما أعلنه كبار العسكريين الأمريكان ولم يعد أمام ترامب إلا الحرب البرية المحفوفة بمخاطر قد تلتهم وصفه السياسى فى الداخل الأمريكى إذا كرر كارثة فيتنام، كما أن الأمريكان فقدوا ثقة حلفائهم والذين باتوا لا يطمئنون للحماية الأمريكية التى دمرت على الأرض، وهرول جنودها إلى المخابئ والفنادق للاحتماء من صواريخ إيران لم تفلح أمريكا وإسرائيل فى تغيير النظام الإيرانى كما فعلت فى فنزويلا وكولومبيا بالهجوم أو الانتخابات وشهدنا تحولاً جذرياً فى سياسات كولومبيا مع رئيسها الجديد
محاولات أمريكا وإسرائيل هندسة الشرق الأوسط على مقاس أوهامهما ومخططاتهما لم تحقق أى نجاح حتى الآن، لكن خطورة استمرار الصراع أو الحرب «الأمريكية ــ الإيرانية» دون حسم، ينذر بتداعيات قاسية على الاقتصاد العالمى، وتدفق النفط والغاز، فى ظل إغلاق إيران لمضيق هرمز وحرب استهداف ناقلات النفط من قبل إيران كما أن استمرار الحرب بأشكال مختلفة منها فرض العزلة الاقتصادية على إيران وحصار موانيها هنا السؤال وماذا من علاقات الصين ــ وإيران فى مجال النفط، وهل ستدخل السفن والناقلات الصينية إلى الموانئ الإيرانية وتخرج منها وهى تشترى كميات كبيرة من النفط الإيرانى، وهل يحدث تحرش او استقبال أمريكى صينى ناهيك عن الدعم الصينى اللامحدود لإيران التى لا تحارب لنفسها وحسب بل بالوكالة عن مصالح الصين فى المنطقة، ونفوذها المتنامى فى الشرق الأوسط، وهل ستقف روسيا منشغلة بأوكرانيا، دون الاهتمام بمصالحها فى الشرق الأوسط، وهل تركيز الولايات المتحدة ونفاذ زخائرها الصاروخية الدفاعية سيتأكل نحو أوكرانيا، واللى يحتاجه البيت الأمريكى يتحرم على كييف يبدو المشهد معقدا، لكن القادم اسوأ، فالحرائق لا تتوقف، ولا تهدأ ولا تخمد نيرانها بل تزيد اشتعالاً، فالكيان الصهيونى يرفض كل ما اتفقت ووقعت عليه الإدارة الأمريكية سواء فيما يتعلق بخطة ترامب للسلام فى غزة الذى جاء خصيصاً من أجل التوقيع عليها فى شرم الشيخ أو الاتفاق مع لبنان وهل تستطيع واشنطن كبح جماح حكومة المتطرفين وماذا عن موقف القوى الاقليمية فى الشرق الأوسط هل تريد امريكا استدراج الجميع لمواجهة فشلت فى حسمها، هل الجميع منتبه لخطورة ما يحدث وما يرتب للمنطقة، الوحيدة التى تدرك ذلك هى العظيمة مصر.. وهل ما يجرى الآن من حرب ثم حصار بحرى ثم عزلة اقتصادية يدخل فى نطاق ضرب عشرة عصافير بحجر واحد فالحرب والعزلة الاقتصادية وإغلاق مضيق هرمز له تداعيات اقتصادية خطيرة على الاقتصاد العالمى وبالتالى دول المنطقة، فهل تراهن واشنطن على صناعة أزمة أو ازمات تحاول من خلالها تعجيز داخل بعض الدول المستهدفة، باستدعاء الفوضى بسبب الظروف القاسية، وهذا ما يجب ان تعيها الشعوب جيداً وتدرك خطورة المؤامرة «الأمريكية ــ الصهيونية».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.