جهاد شوقى السيد تكتب: وزير التربية والتعليم.. قرارات جديدة وأسئلة قديمة

جهاد شوقى السيد

أسدل علينا وزير التربية والتعليم حقيبةً من المفاجآت والقرارات التي تبدو، في رأي كثير من أولياء الأمور والمعلمين، بحاجة إلى مزيد من الدراسة قبل تطبيقها على أرض الواقع، ومن بينها زيادة أيام الدراسة، بحجة إتاحة الوقت الكافي للمعلم والطالب للانتهاء من كمّ المناهج الدراسية.
ولكن، هل يعلم سيادته أبعاد هذا القرار على أرض الواقع؟ ومن هم مستشاروه الذين أشاروا عليه بأن زيادة أيام الدراسة هي الحل لمشكلة كثافة المناهج؟
أليس الأجدر في هذا الوقت هو تقليل حجم المناهج بما يتناسب مع قدرات الطلاب والوقت المتاح، حتى يستطيع المعلم والطالب الوصول إلى الفهم والاستيعاب، وليس مجرد الانتهاء من صفحات وموضوعات المنهج؟ فالمشكلة الحقيقية ليست في عدد أيام الدراسة فقط، وإنما في فلسفة التعليم نفسها، التي يبدو أحيانًا أنها تهتم بالكم أكثر من اهتمامها بجودة التعلم ومدى استيعاب الطالب.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات واضحة:
هل تصدت الوزارة فعليًا لظاهرة الدروس الخصوصية، أم أن زيادة أيام الدراسة قد تمنح سوق الدروس مزيدًا من الانتعاش؟
وهل تمكنت الوزارة من سد العجز الكبير في أعداد المعلمين؟
وهل تم بناء مدارس جديدة للتغلب على الكثافات المرتفعة التي تصل في بعض الفصول إلى أعداد ضخمة، قد تجعل انتظام الطالب داخل المدرسة أمرًا بالغ الصعوبة؟
وكيف يمكن مطالبة الطلاب بالانتظام الكامل في الحضور، وفرض غرامات على غير المنتظمين، بينما ما زالت بعض المدارس تعاني نقصًا في المرافق والخدمات، فضلًا عن ارتفاع درجات الحرارة التي تشهدها البلاد خلال هذه الفترة؟
هل تم الاستعداد لهذه الظروف؟ أم أننا قد نشهد حالات إغماء وإرهاق نتيجة التكدس وارتفاع درجات الحرارة داخل الفصول؟
ثم ماذا عن زيادة المصروفات الدراسية؟ هل تمت دراسة تأثير هذا القرار على الأسرة المصرية قبل تطبيقه؟
فالأسرة المصرية تعاني بالفعل أعباء اقتصادية واجتماعية متزايدة، ومع زيادة أيام الدراسة والمصروفات، تبدأ أعباء جديدة في الظهور. ولم ينتظر بعض المدرسين الخصوصيين طويلًا، إذ بدأت الدروس مبكرًا، ليجد ولي الأمر نفسه أمام التزامات مالية إضافية قبل أن يبدأ العام الدراسي فعليًا.
كما أن زيادة أيام الدراسة قد تنعكس على حركة المرور، وترفع من تكلفة المواصلات بالنسبة للطلاب وأولياء الأمور، لتصبح الأسرة المصرية أمام أعباء جديدة من أكثر من اتجاه.
وماذا عن أطفال المرحلة الابتدائية؟
ومن القرارات التي تثير علامات استفهام أيضًا تطبيق امتحانات الشهر، إلى جانب التقييمات الأسبوعية على طلاب الصفوف الأولى.
ففي المرحلتين الأولى والثانية من التعليم الابتدائي، كان الأولى أن يكون التركيز على ترسيخ القواعد الأساسية لكل مادة، مع الحفاظ على طفولة هؤلاء الأطفال، ومحاولة جعل المدرسة مكانًا محببًا إليهم، حتى يحب الطفل الذهاب إليها ولا يشعر بأنها عبء ثقيل على كاهله.
كان من المهم أيضًا زيادة الاهتمام بالورقة والقلم، وتحسين الخط العربي، وترسيخ مهارات الكتابة منذ السنوات الأولى.
فقد أصبحنا نرى بعض الطلاب يجدون صعوبة في الكتابة بالقلم نتيجة الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا والأجهزة الإلكترونية، وتفضيل سهولة استخدامها على مهارات الكتابة التقليدية.
والغريب أن بعض الدول الغربية بدأت تعيد النظر في الاعتماد المفرط على الأجهزة اللوحية والتكنولوجيا داخل العملية التعليمية، وتعيد التأكيد على أهمية استخدام الورقة والقلم، وتشجع الطلاب على الكتابة بالطرق التقليدية، بينما يبدو أننا نسير أحيانًا في الاتجاه المعاكس.
نحن لا نرفض التكنولوجيا، ولا يمكن لأحد أن ينكر أهميتها في التعليم الحديث، ولكن القضية هي تحقيق التوازن بين التكنولوجيا والمهارات الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها.
فالطفل يحتاج إلى أن يتعلم، ويكتب، ويفكر، ويقرأ، ويتفاعل، وليس أن يتحول التعليم بالنسبة إليه إلى سلسلة متواصلة من الاختبارات والتقييمات والواجبات.
سباق لا نعرف نهايته!
ما يحدث الآن يضع الأطفال وأولياء الأمور تحت ضغط متزايد. نشعر وكأننا في سباق مستمر، ولكننا لا نعرف ماذا ينتظرنا عند خط النهاية.
إن العملية التعليمية تمر بمرحلة معقدة، ولا نستطيع أن نفهم سبب طرح كل هذه القرارات مع اقتراب العام الدراسي الجديد، بدلًا من الإعلان عنها مبكرًا وإتاحة الوقت الكافي للمدارس والمعلمين والأسر للاستعداد لها.
ثم ماذا عن الملفات الأكثر إلحاحًا، سيادة الوزير؟
ماذا عن تحسين الحالة المادية للمعلم حتى يستطيع مواجهة أعباء العملية التعليمية والحياة الاقتصادية، ويؤدي رسالته في أفضل صورة ممكنة؟
وماذا عن الوجبات الغذائية التي سبق الإعلان عنها، ولم تصل بالصورة المطلوبة إلى كثير من المدارس؟
وماذا عن المدارس التي ما زالت بحاجة إلى صيانة وتطوير وتحسين للمرافق؟
إن الملفات كثيرة، والأسئلة أكثر، وكلها تنتظر إجابات وحلولًا عملية على أرض الواقع.
نحن لا نحتاج إلى قرارات أكثر بقدر ما نحتاج إلى دراسة أعمق للواقع التعليمي قبل إصدار القرار، وإلى الاستماع إلى المعلم وولي الأمر والطالب، لأن هؤلاء هم الأطراف الأكثر احتكاكًا بالعملية التعليمية.
فإصلاح التعليم لا يكون بكثرة القرارات، ولا بزيادة أيام الدراسة والاختبارات فقط، وإنما بإصلاح المنظومة من جذورها: مناهج مناسبة، ومعلم قادر ومُقدَّر، ومدرسة آدمية، وفصول مناسبة، وكثافات مقبولة، ورعاية حقيقية للطفل، وتعليم يركز على الفهم لا الحفظ، وعلى بناء الإنسان قبل إنهاء المنهج.
فإذا أردنا تعليمًا أفضل للأجيال القادمة، فعلينا أن نسأل أولًا: ماذا يحتاج الطالب المصري فعلًا؟
وعندما تكون الإجابة واضحة، يصبح اتخاذ القرار أسهل، ويصبح إصلاح التعليم هدفًا حقيقيًا، وليس مجرد سباق جديد من القرارات لا نعرف إلى أين يقودنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.