د. محمد وثيق الندوي يكتب : محمد ﷺ هو روح العالم العربي

الدكتور محمد وثيق الندوي

بعث سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيرًا ونذيرًا للناس كافة: ” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ “(سبأ: 28 )،” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ” (الفرقان:56)، وأرسله الله تعال رحمة للعالمين: ” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ” (الأنبياء:107).
كان العالم قبل البعثة النبوية غارقًا في الشرك والوثنية، ومتسكعًا في دياجير الجهالة والضلالة، وكانت الإنسانية تئن تحت وطأة الظلم والعدوان، وكانت السياسة مسرح الفوضى والاضطراب، والانحلال والاختلال، وسوء النظام وعسف الحكام، فلم تكن على ظهر الأرض أمة صالحة المزاج، ولا مجتمع قائم على أساس الأخلاق والفضيلة، ولا حكومة مؤسسة على أساس العدل والرحمة، ولا قيادة مبنية على العلم والحكمة، ولا دين صحيح مأثور عن الأنبياء، فبفضل بعثة النبي ﷺ تغيرت الدنيا كما يتغير الطقس، وانتقلت الإنسانية من فصل كلُّه جدب وخريف، وسموم وحميم، إلى فصل كلُّه ربيع وأزهار، وجنات تجري من تحتها الأنهار، فتغيرت طباع الناس، وأشرقت القلوب بنور ربها، وعم الإقبال على الله، واطلع الإنسان على طعم جديد لم يألفه، وذوق لم يجربه، وهيام لم يعرفه من قبل، وخرج الإنسان من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الإيمان واليقين، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن الحرمان إلى النعمة، ومن الرذيلة إلى الفضيلة،ومن الظلم إلى العدل، ومن التمييز إلى المساواة والأخوة، وقد جاء في الحديث: “إنما أنا رحمة مهداة”، فمن شكر هذه النعمة سعد في الدنيا والآخرة، فرحم الله تعالى الخلق بإرسال سيد المرسلين لأنه جاءهم بالسعادة الدائمة، والنجاة من الشقاوة الدائمة، ونالوا على يديه الخيرات الكثيرة في الدنيا والآخرة، وعلمهم بعد الجهالة، وهداهم بعد الضلالة، فكان رحمة للعالمين.

يقول كارلايل في كتابه “الأبطال وعبادة الأبطال”: « لقد أصبح من أكبر العار على كل فرد ممدن في هذا العصر أن يصغي إلى ما يظن من أن دين الإسلام كذب، وأن محمدًا خداع مزور، وآن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة، فإن الرسالة التي أداها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرنًا لنحو مائتي مليون من الناس أمثالنا،خلقهم الله الذي خلقنا، أكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائقة الحصر والإحصاء أكذوبة وخدعة ؟، أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبدًا، فلو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج، ويصادفان منهم ذلك التصديق والقبول، فما الناس إلا بله ومجانين، وما الحياة إلا سخف وعبث وأضلولة، كان الأولى بها أن لا تخلق” .
وقال تولستوي الحكيم الروسي: « ومما لا ريب فيه أن النبي محمدًا كان من عظام الرجال المصلحين الذين خدموا المجتمع الإنساني خدمة جليلة، ويكفيه فخرًا أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق، وجعلها تجنح للسكينة والسلام وتؤثر عيشة الزهد، ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية، وفتح لها طريق الرقى والمدنية، وهو عمل عظيم لا يقوم به إلا شخص أوتى قوة، ورجل مثل هذا جدير بالاحترام والإكرام».
وقال وليم موير في كتابه “سيرة محمد”: «امتاز محمد بوضوح كلامه ويسر دينه، وقد أتم من الأعمال ما يدهش العقول، ولم يعهد التاريخ مصلحًا أيقظ النفوس، وأحيا الأخلاق ورفع شأن الفضيلة، فى زمن قصير كما فعل محمد».

ويؤخذ مما قاله لين بول : ” أن محمدًا كان يتصف بكثير من الصفات الحميدة كاللطف والشجاعة ومكارم الأخلاق، حتى إن الإنسان لا يستطيع أن يحكم عليه دون أن يتأثر بما تتركه هذه الصفات في نفسه من أثر، ودون أن يكون هذا الحكم صادرًا عن غير ميل أو هوى، كيف لا! وقد احتمل محمدٌ عداء أهله وعشيرته أعوامًا، فلم يهن له عزم، ولا ضعفت له قوة، وبلغ من نبله أنه لم يكن -في حياته- الباديءَ بسحب يده من يد مصافحه، حتى ولو كان المصافح طفلاً، وأنه لم يمر بجماعة يومًا، رجالا كانوا أم أطفالا، دون أن يقرأهم السلام، وعلى شفتيه ابتسامة حلوة، وفي فيه نغمة جميلة كانت تكفي وحدها لتسحر سامعها، وتجذب القلوب إلى صاحبها جذبا».
ويقول مونتيه في كتابه” حاضر الإسلام ومستقبله”: “… إن ما قام به-الرسول صلى الله عليه وسلم- من إصلاح الأخلاق وتطهير المجتمع، يمكن أن يُعَدَّ به من أعظم المحسنين للإنسانية”. (هذه الأقوال كلها مقتبسة من كتاب” الإسلام والحضارة الغربية” للدكتور محمد كرد علي)
فإنه -صلى الله عليه وسلم- القدوة الكاملة والمثل الأعلى الذي يجب أن يقتدى به، في سائر أقواله وأفعاله وأحواله، لأنه لا ينطق ولا يفعل عن هوى، بل عن وحي يوحى،” وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ” (النجم:3-4)،فكان أسوة لجميع طبقات البشر، ويصلح أن يكون قدوة لجميع أفراد بني آدم على اختلاف صنائعهم ومهنهم وظروفهم وبيئاتهم في كل زمان ومكان،” لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ” (الأحزاب:21) يقول العلامة السيد سليمان الندوي- رحمه الله – :
” لقد مثلت حياة النبي صلى الله عليه وسلم أعمالاً كثيرة متنوعة، بحيث تكون فيها الأسوة الصالحة، والمنهج الأعلى للحياة الإنسانية في جميع أطوارها، لأنها جمعت بين الأخلاق العالية، والعادات الحسنة، والعواطف النبيلة المعتدلة، والنوازع العظيمة القويمة”.
كان سيدنا محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شاهدًا على الأمة، وعلى جميع الأمم، ومبشرًا للمؤمنين بجنات النعيم، ومنذرًا للكافرين من عذاب الجحيم، وداعيًا للخلق إلى توحيد الله وطاعته وعبادته بأمره -جل وعلا-، لا من تلقاء نفسه، وسراجًا وهاجًا مضيئًا للناس، يُهْتدى به في الدهماء، كما يهتدى بالشهاب في الظلماء،” يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا،وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا “(الأحزاب:45- 46) قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: “أي أنت يا محمد كالشمس في إشراقها وإضاءتها لا يجحدها إلا معاند”، وقال الزمخشري : “شبهه بالسراج المنير لأن الله جلَّى به ظلمات الشرك، واهتدى به الضالون، كما تجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به”،فوصفه تعالى بخمسة أوصاف كلها كمال وجمال ، وثناء وجلال ، وختمها بأنه صلوات الله عليه هو السراج الوضاء الذي بدد الله به ظلمات الضلال.
فإن السيرة النبوية العطرة الطيبة-كما كتب الدكتور عائض القرني في كتابه “ملهم العالم”- قد جمَّلت الوجود، وأنارت الدّنيا، وبَهَرت العالم، فهي عصمة نبوّة، وجلالة رسالة، وتعاليم فاتح، وأخلاقُ إنسانٍ، وإنجاز قائد، بعثته رحمة، وحياته إلهام، ووُجوده أمان، وأخباره شريعة، وكلامُهُ وحي، هو للعدالة عنوان، وللبيان ديوان، هو جامعةُ الإِحْسانِ فِي دُنيا الشح، وهو صرح الحب في عالم الجفاء، طهَّر الله المعمورة بالنبي المختارِ، كَمَا طهَّر الأرض بالغيث المدرار، شَرفُ البشريّةِ أنَّ منها محمدًا، وفخر الإنسانية أَنَّ مِنْ بَنيهَا أَحْمدًا:
قد شرَّفَ اللهُ أَرْضًا أَنتَ سَاكِنُهَا وشرَّف النَّاسَ إِذْ سَواكَ إنسانا”.
فلقد تنوَّر العالم بفضل البعثة المحمدية، وكان العالم العربي مفككًا منحلاً مظلومًا مضطهدًا، فهبت عليه نفحة من نفحات الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم الذي أدرك هذا العالم وهو ضائع هالك، وأخذ بيده وهو ساقط متهالك، فأحياه بإذن الله، وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وعلمه الكتاب والحكمة، وزكَّاه، فأصبح العالم العربي سفير الإسلام، ورسول الأمن والسلام، ورائد العلم والحكمة، ومشعل الثقافة والحضارة، وكان غوثًا للأمم، وغيثًا للعالم، فلولا محمد صلى الله عليه وسلم، ولولا رسالته، ولولا ملته، لما كان العالم العربي، بل ولا كانت الدنيا كما هي الآن حضارة وعقلاً، وديانة وخلقًا.
فالعالم العربي مهد الإسلام، ومشرق نوره، ومعقل الإنسانية، وموضع القيادة العالمية، وإن سيدنا محمد العربي صلى الله عليه وسلم هو روح العالم العربي وأساسه، وعنوان مجده، فإنه بما فيه من موارد الثروة والقوة، وبما فيه من خيرات وحسنات، جسمٌ بلا روح، وخطٌ بلا وضوح إذا انفصل –لا سمح الله بذلك-عن سيدنا رسول الله ﷺ وقطع صلته عن تعاليمه ودينه،”يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا،فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا” (النساء: 174-175)
فيستصرخ الإنسان اليوم هذا المؤمن ويستغيث به، وتناديه الإنسانية باسم الإسلام الذي طلع كالصبح الصادق في ظلام الليل الحالك، وباسم محمد صلى الله عليه وسلم الذي أغاث الله به الإنسانية في احتضارها وانتحارها، وحفظ به مهجة الإنسانية، وأدال به من الجاهلية الجهلاء، يقول الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي:
” فهل يسمع المؤمن في جزيرة العرب التي أشرقت منها شمس الإسلام، وفي حواضر البلاد العربية في آسيا وإفريقيا، وفي الأقطار الإسلامية عامة، صراخ الإنسانية وعويلها، فيهب من نومه العميق الطويل الذي ملَّه العالم، ويثب كالأسد، وينقضُّ كالصقر على أعداء الإنسانية، إنه بذلك لجديرٌ، وبحول الله على ذلك قديرٌ، فهو معقل الإنسانية، ومنتهى الرجاء، وأمين الله في الأرض، وخليفة الأنبياء.

كاتب المقال أستاذ بجامعة ندوة العلماء بالهند

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.