” المجذوب ” .. قصة قصيرة للإعلامي محمود عبد السلام 

الإعلامي محمود عبد السلام

انسحبت أيام الصيف بالإسكندرية على مهل، كما تنسحب البحارة المتعبة، وحلّ محلها الخريف بثوبه الشجي.
خلت الشواطئ من روادها، وفتحت المدارس والجامعات أبوابها لعام دراسي جديد، وغامت السماء بغيوم خريفية ثقيلة كأنها تحمل ذاكرة المدينة كلها. هبت النسمات الباردة في أوائل الليل، وتعرّت غصون الأشجار، وغادرت الزهور الحدائق صامتة.

كان لتوه قادماً من القاهرة، يترك وراءه أيام العام بطولها وعرضها، ويختار هذا التوقيت تحديداً ليلاقي مدينته المعشوقة.
أول مرة خطت قدماه الإسكندرية كان في العاشرة من عمره. هبط مع أسرته في محطة سيدي جابر، وسار على قدميه قاطعاً شارع أبي قير والزعيم حتى بلغ الكورنيش. لفحت أنفه رائحة اليود، وظهر في الأفق خط أزرق من الماء لا نهاية له، وتناهى إلى سمعه صوت فيروز تشدو “شط إسكندرية”. في تلك اللحظة التفّ حول قلبه شيء لا يُسمى إلا بهجة ممزوجة بشجن، فرحة مزركشة بزرقة البحر، ومنغّمة بإيقاع الموج الذي ينتهي حيث تبدأ السماء.

ومنذ تلك اللحظة صار واحداً من مجاذيب الإسكندرية وأوليائها المتيمين. تناديه فتترك الدنيا من يده ويمضي إليها كعاشق ولهان، وقد اشتعلت في صدره نار لم يطفئها إلا ماء بحرها.
تمددت ذكرياته بطول شواطئها من أبي قير حتى الأنفوشي ببحري. لا شاطئ إلا واغتسل في مائه، ولا صخرة إلا وحضنها، ولا غروب إلا وانتظره ساكناً على الرمل، يراقب الخط البرتقالي وهو يولد عند التقاء البحر بالسحاب. دقائق ويتسع اللون في عرض السماء، وتنسحب الشمس على استحياء، تخفي نصفها في الماء وتبتسم له بالنصف الآخر قبل الرحيل. كانت نسمات الهواء تروي عطش روحه، والمشهد كله يحيي قلباً جافاً من طول الغياب.
وعلى الصخور المشبعة بالملح واليود حول بئر مسعود، كان يجلس بين المحبين المتناثرين كحبات لؤلؤ على جسد صخري صامد. صخور تحتمل ضربات الموج كما تحتمل الأم ركلات جنينها في بطنها، وتبتسم كلما اشتدت. تتعلق العيون بالغروب الممتد، وتتعانق الأيدي، وتتمتم الشفاه بقصائد لا يكتبها الورق.

بخمسة عشر جنيهاً فقط كان يقيم أسبوعاً كاملاً.
في شقة صغيرة بشارع إسكندر إبراهيم بشاطئ ميامي، احتضنت الجدران أحلاماً أكبر منها لمجموعة شباب في مقتبل العمر. قلوب صافية، وضحكات مترعة، وجرأة على خوض التجربة. كان صيفهم طويلاً، ينتظرون نهايته ليحجوا إلى هذه اللحظات التي يحملونها معهم عند العودة: ذكريات جميلة، ومغامرات بريئة، وفرحة اكتشاف الحياة.
ويمضي العام بعد العام، وتبقى المدينة ساحرة، ويكبر الشباب فيصيرون آباء وأجداداً… تجمعهم لحظات، ويفرقهم زمن.

اليوم يمر في شارع إسكندر إبراهيم وحيداً. يترك سيارته عند أول الشارع ناحية البحر، ويترجل حتى البيت الكائن أمام سنترال ميامي. يمشي وهو يجتر الذكريات، يستعيد الأيام، يتسمع الضحكات القديمة، ويلتقط صوراً باهتة لذاكرته قبل أن يهجم عليها شبح النسيان.

بعدها يتوجه إلى بئر مسعود، فيصطدم بسور أسمنتي ضُرب حوله. الوصول صار عسيراً، واختفى العشاق عن الصخرة.
لا شيء من ملامح المدينة الجميلة بقي على حاله. تغيرت الأماكن والوجوه وحتى الأسماء. وهو نفسه تغير.
حين يهبط في محطة سيدي جابر متجهاً إلى البحر، لا يجد البهجة الأولى، ويكاد لا يرى الماء من خلف الأسوار الخشبية التي امتدت على طول الشاطئ، ومع غياب رائحة اليود من الهواء.

ورغم كل ذلك، ما زال قلبه يهش فرحاً كل خريف يعود فيه إلى الإسكندرية. يمشي في شوارعها، يتنقل بين شواطئها، يتأمل الموج في لحظة الغروب باحثاً عن تلك البهجة التي سكنته زمناً.
لكن خريف هذا العام مرّ، ولم يجدها.
وجد بدلها بحراً أوسع، وذاكرة أضيق… وقلباً ما زال مجذوباً لمدينة لم تعد موجودة إلا فيه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.