الكاتب الصحفي عبدالرازق توفيق يكتب : المهنة المستباحة

ليس غريبًا أو جديدًا أن الأزمات الاقتصادية القاسية التى ألقت بها صراعات دولية وإقليمية أن تكون لها تأثيرات وتداعيات سلبية على المجتمع، من غش وجشع ومغالاة وانتهازية وفساد وتحجر للقلوب، وضرب فى ثوابت الأخلاق والمباديء، فحالة الإنشغال المجتمعى فى مجابهة الظروف الصعبة، تجعل التركيز على غرس القيم والأخلاق الحلقة الضعيفة فى حياة الناس، الذين يتوهمون أن جمع المال هو الخيار الأفضل حتى لو على حساب الرحمة والأخلاق، ولا يفوتنى ما قاله الرئيس عبدالفتاح السيسى فى أحاديثه بأهمية بناء منظومة قيم وأخلاق ما قاله فى كلمته خلال افتتاح مقر القيادة الإستراتيجية الشهر الماضي، بالتوجيه بإعادة الانضباط فى الشارع المصرى.
وليس جديدًا فى هذه الظروف، أن نجد من ينتحل صفة قاض ويمارس الظهور وتأجير قاعة محكمة وتصوير نفسه بزى القضاة الأفاضل، من أجل استيفاء عمليات النصب وخداع المواطنين البسطاء وهو ما يتطلب وعيًا، واصلاحًا شاملاً فى كيفية قضاء حوائج ومصالح الناس، والتبصير بآلياتها ومراقبة بعض الموظفين الفاسدين لحماية الناس من المزيفين ومنتحلى الصفة
فلا عجب وليس غريبًا أن يمارس نصاب ومنتحل صفة طبيب بل أستاذ لجراحة القلب مهنة الطب ويغامر بحياة الناس ويجرى عمليات قلب، ويتضح فى النهاية أنه لم يمارس ولا يعرف شيئًا عن الطب، ولا عجب أيضا أن ينتحل قبل سنوات شخص نصاب ومزور صفة ضابط شرطة، بل ويخدع من تزوجها على أنه ضابط شرطة ويوهم الناس بالترقي، ويعلق صورته فى منزله بأنه ضابط شرطة، حتى سقط بسبب لم يتوقعه بعد القبض على نصاب آخر اعترف أنه حصل على هذه الوثاثق المزورة من هذا الشخص،
ولا عجب ممن يقولون للنصابين زورًا وبهتانًا سيادة المستشار رغم أنه لا علاقة له بالقضاء المصرى الشامخ أو من يحصلون على شهادات مزورة أو غير معتمدة ويطلقون على أنفسهم لقب دكتور.. هذه الظاهرة يجب أن تنتهى سواء بوضع معالجة شاملة من بناء الوعى لدى المواطنين، بآليات التعرف على حقيقة هؤلاء وعدم السقوط فى فخاخهم وخداعهم، أو تشديد وتغليظ العقوبات لتصل إلى أحكام رادعة،
لكن موضوعى الأهم عنوانه المهنة المستباحة وهى الصحافة والإعلام، فكم من الآلاف الذين يزعمون أنهم صحفيون وإعلاميون دون أن يكون لهم علاقة من قريب أو بعيد بالإعلام والصحافة، وأصبحت مهنة الإعلام مهنة من لا مهنة له، أو المهنة المستباحة، كل من هب ودب يقدم نفسه على أنه إعلامى أو صحفي، رغم أنه لم يدرس الإعلام فى أى جامعة وليست لديه عضوية بنقابتى الصحفيين والإعلاميين، ورغم أنه لديه مؤهل متوسط أو ليس له علاقة بالإعلام،
ولأن الإعلام أصبح أحد مكونات وركائز الأمن القومى يستطيع أن يبنى ويهدم، وهو لا يقل أهمية عن الجيوش النظامية التى تحمى الوطن وأمنه وحدوده، لأننا نحمى هنا عقولاً وفكرًا ووعيًا يمكن أن يهدم أمة فى ظل الحروب الجديدة من الجيلين الرابع والخامس التى تستهدف تزييف الوعي، ونشر الفتن، وتركز على العقول والهوية،
لذلك لابد أن تعالج قضية الإعلام من الأساس، واعتبارها قضية أمن قومى ، فلا يمكن أن تضم الجيوش النظامية، إلا من تخرج فى كلياتها العسكرية المعتمدة وكذلك الشرطة والأجهزة الأمنية فإن الاستباحة الإعلامية تبدأ من السماح لخريجى كليات ليست لها علاقة بالإعلام، للعمل الصحفى والإعلامى لذلك نرى عجب العجاب، كل من له صفحة على الفيس، أو يعمل فى موقع لا يعرفه أحد، يقدم نفسه على أنه صحفى أو إعلامي، أو حتى «البلوجرز» يقولك الإعلامى العلانى فهذه مهزلة واستباحة، ولابد من إجراءات فاعلة وواقعية لا تبدأ من نقابة الصحفيين والإعلاميين فقط باتخاذ إجراءات حاسمة مثلما فعل القضاء المصرى العظيم فى مواجهة القاضى المزيف
ولكن نبدأ أيضا بإصلاح التعليم الإعلامى وتشديد وأحكام عملية الاختيار من خلال طريقة وآلية استثنائية، تبدأ قبل الانضمام باختبارات المهارات، والقدرة على التطور فى ممارسة هذا العمل، وإجراء اختبارات سمات وكشف هيئة لان سلاح الإعلام يجب ألا يكون فى يد غير الأسوياء والاكفاء الموهبة لذلك أطالب بابعاد الجامعات الخاصة عن إنشاء كليات للإعلام والصحافة، فهذا العمل ليس من قبيل البيزنس أو التربح، ولكنه عمل جاد وقضية باتت وجودية وسلاح حيوى لا يمكن تجاهله، والاكتفاء بكلية الإعلام جامعة القاهرة، والكليات الموجودة من قبل مثل أقسام الصحافة فى الجامعات المصرية والعمل على تطويرها وتوفير جميع الامكانيات الحديثة لها وفتح أبواب المؤسسات الصحفية والإعلامية أمام الطلاب لممارسة العمل، خلال الدراسة والتعرف على مكوناته وآلياته وزيادة جرعة التعليم الإعلامى العملى دون حدود ليس لمدة أسبوع أو حتى شهر ولكن على مدار العام الدراسى والتواجد فى المؤسسات الصحفية والإعلامية خلال الاجازة الصيفية.
لا يمكن إنشاء كليات أو معاهد خاصة للإعلام ربما تتوافر الامكانيات، لكن الكوادر من أعضاء هيئة التدريس والأساتذة والمعيدين المؤهلين للعمل فى هذا المجال فقد عاصرت أنا كتب كلية الإعلام فى نهاية الثمانينيات كانت تدرس فى جميع أقسام الصحافة فى كليات الآداب فى مختلف الجامعات المصرية ويقوم بتدريسها معيدون وليس الأساتذة الذين قاموا بتأليف هذه الكتب أخطر ما يمكن أن نواجهه، هو الفوضى فى هذا المجال واستباحة مهنة الإعلام، والصحافة وأن يتحول الجميع دون ضابط ورابط، أو مواجهة إلى إعلاميين وصحفيين، ولابد من وجود تصريح أو صلاحية أو مستند رسمى يثبت جدارة ممارسة هذه المهنة
فلا يمكن أن أرى صحفيًا أو إعلاميًا يجرى عملية جراحية أو يمارس الطب أو مهندس يضع تصميمات لمبان ومنشآت ومشروعات، المهنة الوحيدة التى تتعرض لأكبر عملية استباحة خطيرة هى الإعلام ويمكن تحويل كلية الإعلام جامعة القاهرة إلى جامعة مستقلة، وتكون هى المصدر الرئيسى لتخريج إعلاميين وصحفيين على أعلى درجة من التأهيل والاحترافية والإعداد الذى يواكب العصر،
لكن ليس تحيزًا لكلية الإعلام جامعة القاهرة فهى المنارة والنواة التى يبنى عليها فى هذا المجال الإستراتيجي، لذلك اللبنة الأولى والأساس فى تطوير الإعلام هى إصلاح التعليم الإعلامى والصحفى، والضرب بيد من حديد على يد المنتحلين ويدعى الصفة أو العمل دون تصريح أو اعتماد فهل رأيتم محامًا يترافع أمام القضاة خريج آداب مثلاً؟ أو أى مؤهل آخر ولا يمكن وضع التعليم الإعلامى فى يد رجال الأعمال ومشروعات البيزنس بل عمل وطنى شديد الدقة فى الاختيار شديد التركيز فى التأهيل وتوفير الامكانيات اللازمة
فالإعلام أصبح لا يقل أهمية عن الجيوش النظامية لذلك العلاج لابد أن يبدأ من الأساس والجذور لأن الكفاءات الصحفية الآن باتت عملة نادرة وهذا ليس بالكلام،
لكن نسأل أنفسنا كم صحفيًا قادرًا على اصدار جريدة ؟ أو اختيار مانشيت وصياغته بشكل صحيح؟ وكم صحفى يصلح للعمل «الديسك»؟ كم من صحفيًا يستطيع أن يقدم أفكارًا تصنع الفارق، وغيرها من التساؤلات وليست المزايدات وخداع النفس لذلك أيضا الاختيار الجيد فى التعيين للإعلامى أو الصحفى أمر مهم للغاية، لذلك أؤكد أن الإعلام بات المهنة الأخطر ولا يجب ألا يظل المهنة الأكثر استباحة