ناصر النوبي يكتب :عندما ينقلب الضحية إلي متهم 1

الفنان ناصر النوبي

تجعل الصديق يشك في صديقه، والجار يخاف من جاره، والشريك يتوجس من شريكه، والإنسان ينظر إلى الآخر باعتباره مشروع خطر محتمل..هنا تصبح الجريمة أكبر من عدد ضحاياها.

فإذا نجحت الجريمة في أن تجعل المصريين أكثر خوفًا من بعضهم البعض، وأكثر انعزالًا، وأقل ثقة في روابطهم الإنسانية، فإن آثارها تمتد إلى المجتمع كله.

وهذا ضد طبيعة المصريين.. فالمصري، في جوهره، ابن الجماعة..

نعيش معًا، ونفرح معًا، ونحزن معًا، ونقف بجوار بعضنا في الأزمات.

هذه الروابط الإنسانية، الممتدة بين العائلة والجيران والأصدقاء وأبناء الحي والعمل، هي واحدة من أهم عناصر قوة المجتمع المصري.

ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن تفعله بنا الجرائم البشعة ليس فقط أن تجعلنا نخاف من الجريمة، وإنما أن تجعلنا نخاف من الإنسان نفسه.

القاهرة… مدينة التقلبات

هناك جانب آخر لا يمكن تجاهله.

القاهرة مدينة عجيبة.

يمكن أن تكون صاحب أصول وعقارات بالملايين، ثم تجد نفسك في لحظة لا تملك فيها سيولة تكفي أبسط احتياجاتك.

وقد يكون الإنسان مليونيرًا على الورق، لكنه يعاني الفقر الحقيقي في حياته اليومية.

الأصول شيء، والسيولة شيء آخر.

والثروة العقارية شيء، والقدرة على الإنفاق والعيش بأمان شيء مختلف تمامًا.

ولعل السينما المصرية قدمت لنا نماذج ساخرة ومؤلمة لهذه التحولات.

نتذكر الباشا أحمد مظهر وهو يحاول الإمساك بالبطة، ثم تنقلب الأحوال، ويتحول الإنسان من حياة إلى أخرى، ومن طبقة إلى طبقة، ومن مكانة اجتماعية إلى وضع مختلف تمامًا.

وقد ينتهي به الأمر إلى امتهان مهنة لم يكن يتخيل يومًا أنه سيعمل بها، مثل الإرشاد السياحي.

هذه التقلبات السريعة والمضطردة في حياة المصريين تثير الدهشة.

لكنها في الوقت نفسه تكشف شيئًا مهمًا:

الإنسان عندما يشعر أن الأرض تهتز تحت قدميه، قد يتغير.

اقتصاد يضغط على الأعصاب

خلال العقد الأخير، مر المجتمع المصري بتحولات اقتصادية قاسية.

ارتفاعات متتالية في الأسعار، وتراجع في القدرة الشرائية، وتغيرات كبيرة في قيمة العملة، وضغوط على الطبقة الوسطى، وتحول كثير من الأشياء التي كانت تعتبر من المسلمات إلى رفاهية يصعب الحصول عليها.

ومع كل أزمة اقتصادية لا يخسر الإنسان أمواله فقط.

أحيانًا يخسر إحساسه بالأمان.

والأمان هو أحد أهم أعمدة الاستقرار النفسي والاجتماعي.

وعندما تنسحق الطبقة الوسطى، أو تشعر الطبقات الأعلى نفسها بأنها مهددة بفقدان ما جمعته طوال سنوات، تتغير العلاقات بين البشر.

تزداد المنافسة.

يزداد القلق.

يزداد الشعور بالظلم.

وقد تظهر الغيرة والحسد والرغبة في الانتقام بصورة أكثر حدة.

وهنا يجب أن نكون حذرين:

هذا لا يعني أن الفقر أو الأزمة الاقتصادية يصنعان مجرمين.

فالغالبية العظمى من الناس، مهما اشتدت أزماتهم، يظلون متمسكين بالقيم والقانون والإنسانية.

لكن الضغوط المتراكمة يمكن أن تكون عاملًا من عوامل الانهيار لدى بعض الشخصيات الهشة أو المضطربة، خصوصًا عندما تجتمع مع الغضب والطمع والانتقام واضطراب العلاقات.

عندما ينقلب الضحية إلى متهم

هناك أيضًا ظواهر قانونية واجتماعية تحتاج إلى مراجعة جادة.

خذ مثلًا قضية الشيكات في بعض التعاملات العقارية.

قد نجد مالكًا أو مستثمرًا دخل مشروعًا، ووضع أمواله فيه، ثم وجد نفسه في النهاية أمام شيكات أو التزامات يمكن أن تتحول إلى قضية جنائية.

وهنا تحدث مفارقة شديدة القسوة:

الإنسان الذي كان بالأمس يمول المشروع، وصاحب الوظيفة المرموقة، وربما صاحب المكانة الاجتماعية، يمكن أن يجد نفسه فجأة متهمًا، ومهددًا بالحبس، وقد يتحول اسمه إلى سجل من المشكلات القانونية.

وهذا النوع من التحولات المفاجئة في المكانة الاجتماعية والنفسية يحتاج إلى دراسة عميقة.

لأن الإنسان لا يعيش بالمال وحده.

يعيش أيضًا بالصورة التي يرى بها نفسه، وباحترام الناس له، وبإحساسه بأنه مسيطر على حياته.

وعندما يفقد الإنسان هذه الأشياء دفعة واحدة، يمكن أن يدخل في حالة نفسية شديدة الخطورة.

لا نعرف الحقيقة كاملة بعد

لهذا كله، لا أعتقد أن علينا أن نسارع إلى اختراع رواية مكتملة حول أي جريمة قبل انتهاء التحقيقات.

قد تكون هناك أموال.

قد تكون هناك خلافات.

قد يكون هناك انتقام.

قد تكون هناك أسرار.

وقد يكون وراء الجريمة أكثر من دافع واحد.

والحقيقة وحدها هي التي يجب أن تحسم ذلك.

لكن ما أعتقد أننا يجب أن نتوقف أمامه هو السؤال الأكبر:

ماذا يحدث للمجتمع عندما تتآكل الثقة بين أفراده؟

وماذا يحدث عندما يصبح الجار خائفًا من جاره، والصديق شاكًا في صديقه، والشريك متربصًا بشريكه، والأسرة نفسها محاصرة بالشك والخوف؟

هنا لا تصبح القضية قضية جريمة واحدة.

بل قضية مجتمع.

نحن لسنا مجتمعًا من القتلة

رغم كل ما يحدث، يجب ألا نسمح للخوف بأن يقنعنا بأن الإنسان المصري فقد إنسانيته.

هذا غير صحيح.

في كل كارثة، وفي كل حادثة، وفي كل مأساة، تظهر أيضًا وجوه أخرى لمصر:

إنسان ينقذ إنسانًا لا يعرفه.

جار يفتح بيته لجاره.

طبيب يعمل دون مقابل.

رجل يغامر بحياته لإنقاذ غريب.

أسرة تحتضن أسرة أخرى في لحظة انهيار.

هذه هي مصر أيضًا.

بل ربما تكون هذه هي مصر الحقيقية.

لذلك، فإن مواجهة الجرائم البشعة لا تكون فقط بملاحقة الجاني ومعاقبته.

بل أيضًا بإعادة بناء الثقة.

وبإعادة الاعتبار للطبقة الوسطى.

وبإصلاح التشوهات التي أصابت العلاقات الاقتصادية والاجتماعية.

وبحماية الناس من الوقوع في دوائر الديون والابتزاز والاستغلال.

وبإعلاء قيمة القانون.

وبالأهم من كل ذلك:

ألا نسمح للشيطان أن يقنعنا بأن الإنسان عدو الإنسان.

فالإنسان قد يخطئ، وقد ينهار، وقد يتحول إلى قاتل عندما تجتمع داخله عوامل كثيرة وخطيرة.

لكن المجتمع لا يجب أن يتحول، بسبب جرائم استثنائية، إلى مجتمع من الخائفين والمنعزلين.

نحن المصريين عاشرنا الموت آلاف السنين.

وبنينا حياتنا إلى جواره.

عرفنا الحروب والمجاعات والأوبئة والانهيارات الاقتصادية، ثم عدنا في كل مرة لنزرع ونبني ونغني ونحب.

وهذا هو الرباط الذي يجب ألا ينقطع.

قد يقتل المجرم إنسانًا، لكنه لا يجب أن ينجح في قتل إنسانيتنا.

هذه هي المعركة الحقيقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.