بعد أربعين عاماً عاد إلى الميدان الذي حفظ خطواته الأولى، والذي شهد ضحكاته التي لم تكن تعرف الحزن، وقلبه الذي كان يركض قبل جسده
‘منحه طلة أخيرة’
روكسي.. الاسم وحده كان يكفي ليستدعي زمناً كاملاً من الفرحة .. الزمن الذي كُتب على مقاعد الحديقة وقت الطموح الذي كان يرى المستقبل شارعاً مفتوحاً لا نهاية له.
وقف عند المدخل. استنشق الهواء. وجال ببصره .. المكان كان هو
النافورة ما زالت هناك، لكن الماء فيها صار أهدأ. الأشجار ما زالت تصطف كجنود قدامى، لكن ظلالها صارت أقصر. الوجوه تغيرت، والمقاهي تبدلت لافتاتها، والزمن علّق على الجدران لافتة جديدة كتب عليها “ممنوع الرجوع للخلف”.
وفجأة.. رآها قادمة من الماضي.
كانت في حلة زرقاء، وشعر منسدل، ورائحة العطر تفوح في الميدان كما كانت تفوح منذ أربعين سنة ..
اقترب منها بقلب يرتجف يريد أن يلمس زمناً توقف .. لكنها في اللحظة الأخيرة تحولت إلى نسمة مرّت على وجهه ومضت.
تجمّد في مكانه ، ومن بعيد من داخل محل قديم تسلل صوت يغني بصوت خافت كأنه يخرج من راديو قديم:
“أدي اللي كان وأدي القدر وأدي المصير..
نودع الماضي بحلمه الكبير..
نودع الأفراح نودع نودع الأشباح..
راح اللي راح ما عدش فاضل كتير”
كانت كلمات جاهين ترد عليه كأن الميدان نفسه يهمس له وحده
مشي خطوتين ببطء. يده في جيبه تتلمس تذكرة مترو قديمة كان شايلها من سنين ..
بحث بين الناس عن الشاب ذي القميص الملوّن الذي كان يركض خلف فتاة تضحك ولا تلتفت. عن الطالب الذي كان يجلس على الرصيف ويكتب أحلامه على ظهر تذكرة مترو .. لم يجدهم.
وجد رجلاً في الخمسين يحمل في عينيه تعب الطرق التي سارها بعيداً عن هنا ، يحمل في جيبه وعوداً لم تتحقق، وفي صدره أسئلة لا إجابة لها
وهمس لنفسه: “هو أنا.. ولا حد شبهي ؟”
كان يظن أن البُعد سيجعل المكان غريباً فإذا بالمكان يبقى مرآة لكنه هو الذي تغيرت ملامحه.
جلس على نفس الرصيف. أخرج من ذاكرته عالماً من الصور، تتابعت كفيلم سينمائي .. هبت نسمة فحركت ورقة يابسة دارت حوله ثم مضت ..
فهم..
روكسي لم يتغير.
كان دائماً ميداناً.. والميدان لا يحتفظ بأحد هو فقط يمنحك لحظة لتمر ثم يتركك تكمل الطريق وحدك ..
والعودة ليست إلى المكان، العودة هي أن تصالح النسخة التي تركتها هنا وتتركها تنام بسلام تحت الشجر المطل على المكان ..