عبد الناصر البنا يكتب : حدائق الأهرام .. والفرص الضائعة !!

عبد الناصر البنا
قد يبدو العنوان صادما أو مثيرا للجدل بعض الشىء ، لكن الحقيقة التى لايخطأها عقل بشر أن الدولة لو أرادت أن تجنى مليارات الجنيهات من حقوقها الضائعة فى مدينة حدائق الاهرام لتحقق لها ذلك من حصيلة التهرب الضريبى ومخالفات البناء وإستثمار ” عبقرية المكان ” المواجه لـ ” بانوراما الأهرامات ” والمتحف المصرى الكبير فى بناء فنادق عالمية !!
على بعد 2.5 كم من ميدان الرماية وفى المنطقة المواجهة لـ بانوراما الأهرامات وبجوار المتحف المصرى الكبير أقيمت فى عام 1983 مدينة عالمية كونها أول ” كمباوند ” فى مصر وأطلق عليها ” حدائق الأهرام ” تم تخطيط المدينة على مساحة 1400 فدان ، قسمت إلى 16 منطقة تحمل كل منها حرفا من حروف الأبجدية ( أ.ب.ج.د )
وأحيط بها سور عليه 4 بوابات تحمل أسماء ملوك مصر القدماء ” خوفو ـ خفرع ـ منقرع ـ مينا ” وأضيف إليهم ” أحمس ــ وحورس ” مؤخرا .
كانت المدينة حتى وقت قريب تتمتع بجوها اللطيف نظرا لـ إرتفاعها 60 مترا عن مستوى نهر النيل ، وكان لها سحرها وطابعها المميز بين أحضان أهرامات الجيزة وأبو الهول ومؤخرا المتحف المصرى الكبير ، وحتى وقت قريب كانت ملاذا آمنا لـ فنانى مصر ولاعبى كرة القدم ورجال المال والأعمال ، لكن دوام الحال من المحال بين عشية وضحاها تبدلت الأحوال وتحولت المدينة بقدرة قادر من كمباوند إلى منطقة عشوائية .. ولكن كيف تحولت ولماذا تبدل الحال ؟
بعد ثورة 25 يناير 2011 وهنت الدولة المصرية ، وظهرت على السطح طبقة منتفعين جدد مكونة من رجال أعمال ومقاولين فاسدين تواطئوا مع ” الجمعية التعاونية لبناء المساكن و تعمير صحراء الأهرام ” وهى الكيان الذى يدير المدينة مشاركة مع محافظة الجيزة ، ومن هنا بدأ الخراب الذى يفت من عضد المدينة ، فى ظل غياب تام لـ دور الأجهزة الرقابية ” الجهاز المركزى للمحاسبات ـ هيئة الرقابة الإدارية ـ الإتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية ــ جهاز تعاونيات البناء والإسكان التابع لوزارة الإسكان ، على أعمال الجمعية وكل مايتعلق بأنشطتها حتى اليوم !! .
وكانت نتيجة لإتحاد قوى الشر والفساد فى المدينة أن بيعت معظم أراضى الخدمات فى المدينة بمزادات صورية لأصحاب الحظوة والنفوذ ، وظهرت طبقة من القطط السمان الذين إستغلوا الوهن الذى أصاب الدولة ، وإقتلعوا أمامهم الأخضر واليابس ضاربين بالقانون عرض الحائط ، وبدأت هذه الفئة الجديدة فى شراء العقارات التى هجرها أصحابها طلبا للمزيد من الراحة فى القاهرة الجديدة والتجمع والـ ” كمباوند ” التى إنتشرت فى ربوع مصر ، وعاثوا فى المدينة فسادا بعد أن إشتروا ذمم المحليات بالمال ـ هدمت الفيلات وأقيمت مكانها كتلا خرسانية ضاربة عرض الحائط بقانون البناء الذى يسمج بالبناء على مساحة 60% من الأرض وبإرتفاع 5 أدوار . وإرتفعت العمارت إلى 6،7،8 وأحيانا 10 أدوار تحت سمع وبصر الدولة وأجهزتها التنفيذية !!
وبعد أن كان مخططا لكل منطقة مجمعا للخدمات والأنشطة التجارية بوصفها ” كمباوند ” سكنى مخطط متكامل الخدمات يطمح إليه كل من يبحث عن سكن هادىء إلى منطقة عشوائية تعانى من فوضى المحلات التجارية والكافيهات والمطاعم بل والورش .. إلخ ” علما بأن أكثر من الـ 90% من تلك الأنشطة بدون تراخيص ” !!
وأصبح واقع المدينة اليوم تدهور فى البنية التحتية ” مياة ـ صرف صحى ـ كهرباء ـ نظافة ” لتنازع إختصاصات المدينة بين الجمعية التعاونيه لبناء المساكن و تعمير صحراء الأهرام ومحافظة الجيزة وأصبح كل يطرف يلقى المسئولية على الطرف الآخر حتى أصبحت الشوارع مكسرة ، وإنعدم فى المدينة الأمن والأمان وزادت معدلات الجريمة وكثرت السرقات ، وأصبحت مأوى للخارجين على القانون ، وإزدادات أوكار الفساد والدعارة والمخدرات ، وإختفت مظاهر الجمال مع دخان الشيشة فى المقاهى والكافيهات وضجيج عمال ديلفرى المطاعم وعشوائية النقل الداخلى ، وعمت الفوضى ، وخصعت المدينة لسيطرة المتسولين والباعة الجائلين ، مع إنعدام تام للخدمات العامة ” المستشفى ـ المطافى ـ الإسعاف ــ إلخ ” .
وبعد أن بلغ السيل الذبى وعمت الفوضى والعشوائية أرجاء المدينة بالقدر الذى جعل منها مدينة ” الألف مشكلة ” نتيجة البناء المخالف للاشتراطات الهندسية وتجاوز في نسب البناء لتصل إلى 90% بدلاً من 60% وتعلية الأدوار فوق الحد المسموح ، وتحويل الجراجات والبدرومات إلى أنشطة تجارية ، والعشوائية ، وغياب بعض الخدمات الأساسية ، وتدنى البنية التحتية وغياب الأمن لتقوم الحكومة الموقرة بإعادة تصنيف المدينة بإعتبارها من المناطق الراقية ، القرار الذى ترتب عليه تعديل آلية تسعير تركيب العدادات الكودية حيث إرتفعت تكلفة الكيلو وات أمبير لـ 6 آلاف جنية بدلا من الـ 1700 جنية وأصبحت ضوابط المحاسبة وفقا للتصنيف الجديد إحتساب قدرة 8 كيلو فولت أمبير لكل 100 متر مربع للوحدات السكنية !!
ويبدو أن حكومتنا الرشيدة دأبت على إختيار الحلول السهلة عندما قامت بتغيير نظام المحاسبة على العدادات الكودية بسعر ثابت وموحد لكل كيلووات 2.74 جنيه كبديل لنظام الشرائح المدعومة الذي يبدأ من .68 قرشاً وبعد أن تركت الحكومة الحبل على الغارب لكل من تربح بالمخالفة للقانون ، تطالب اليوم مشترى الوحدة السكنية ” حسن النية ” بإتمام إجراءات التصالح بدلا من المقاول الفاسد ورئيس الحى المرتشى !! ويبقى السؤال : كيف تستفيد الدولة من الفرص الضائعة فى مدينة حدائق الاهرام ؟
هناك خطوات بسيطة لو قامت بها الدولة يمكن لها أن تجنى مليارات الجنيهات من مدينة حدائق الأهرام وحدها ( إذا قامت بإحالة ملف ” الجمعية التعاونيه لبناء المساكن و تعمير صحراء الأهرام ” إلى الجهات الرقابية وحلها والتحفظ على أموالها ــ إذا وضعت يدها على ماتبقى من أراضى الخدمات فى المدينة وقامت ببناء سلسلة فنادق عالمية مستغلة عبقرية المكان ــ إذا قامت وزارة المالية بمراجعة ملف التهرب الضريبى لكل عقارات مدينة حدائق الأهرام التى لم تسدد مستحقات الدولة ــ إذا قامت بحصر العقارات المخالفة فى المدينة من قبل ” حى الهرم ” وأحالت كل مقاولى البناء المخالفين ومن ساعدهم فى المحليات إلى النيابة العامة وإلزام المخالف بإتمام إجراءات التصالح ــ إذا قامت بإحالة كل من تضخمت ثرواتهم إلى جهاز الكسب غير المشروع والتحقق من مصادر دخلهم ــ إذا قامت بألغاء تصاريح الأنشطة التجارية فى غير التجمعات المخصصة لها ــ وعلى وجه السرعة مراجعة ملفات كل العقارات التى صدرت لها تراخيص بالبناء مؤخرا كون 90 % منها مخالفا لـ إشتراطات البناء ) .
6 مليارات من الجنيهات وأكثر يمكن أن تعود إلى الخزينة العامة للدولة إذا ماكانت هناك آذان صاغية تحتكم إلى العقل والمنطق فى إدارة الأمور ، عوضــــا عن التوسع فى فرض الضرائب وزيادة مقابل الخدمات فى ظل ظروف إقتصادية وموجة غلاء يكتوى بنيراها العنى قبل الفقير .. حفظ الله مصـــــر
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.