الإعلامي محمود عبد السلام يكتب : من قتل يس؟

الإعلامي محمود عبد السلام

عندما سُئلت بهية عن قاتل “يس”، لم تُنكر. والتاريخ يثبت أن “يس” قُتل أمام عينيها. والأعجب من ذلك أن بهية

زغردت فرحاً، حتى ظن الحاضرون أنها فقدت صوابها.

هكذا يخترع العقل الجمعي أبطاله. في الليالي القمرية الصيفية، ينسج الناس سيرة شعبية جديدة لبطلٍ يُعيد

الحقوق لأصحابها، وينتقم من السلطة المتجبرة، ويُرضي حلم العامة بالعدل. إنها حيلة نفسية تُبقي الحياة ممكنة،

وتحفظ للروح توازنها.

والبطل الحقي الذي كان ينبغي أن يُتغنى باسمه هو قاتل “يس”: اللواء محمد صالح حرب، الذي صار لاحقاً وزيراً

للحربية في عهد رئيس الوزراء علي ماهر، أثناء الحرب العالمية الثانية.

نشأ اللواء حرب في دراو بمحافظة أسوان، وله جذور سودانية. زامل في المدرسة الابتدائية الأديب الكبير عباس

محمود العقاد. وبعد تخرجهما، اتجه كلٌّ في طريقه: مضى العقاد إلى عرش الأدب، والتحق حرب بمدرسة خفر

السواحل.

وبعد تخرجه، كُلّف بمهمة شراء مئة جمل لسلاح الهجّانة من منطقة الحدود بين أسوان والسودان. وهناك سمع

باسم رجلٍ يثير الرعب: “يس”. قاتل مأجور مسجل خطر، عجزت الشرطة المصرية عن الإيقاع به مراراً، حتى صار

يُحكى عنه أنه لا يُقهر.

وفي طريق عودته إلى القاهرة، وأثناء استراحة في الصحراء، أبلغه أحد جنوده برؤية رجل يرقد أمام مغارة ومعه

بندقية. تقدم اللواء حرب لاستطلاع الأمر، ففوجئ بوابل من الرصاص. اشتبك معه، ففرّ “يس” إلى داخل المغارة.

هنا لم يلجأ الضابط إلى القوة الغاشمة، بل إلى الحيلة. جمع كومة من البوص، ربطها بحبل، وأشعل فيها النار، ثم

أنزلها من أعلى الهضبة أمام مدخل الكهف. حملت الريح الدخان إلى الداخل، فاضطر “يس” للخروج هارباً. أطلق عليه

اللواء أربع رصاصات فأرداه قتيلاً.

وكانت المفاجأة أن خرجت من الكهف امرأة تزغرد، ومعها طفل يبكي. سألها الضابط: من أنتِ؟ فأجابت: “أنا بهية،

زوجة المجرم يس”.

المفارقة أن الناس نسيت سيرة الضابط الذي خلصهم من هذا الخطر، وصنعت من القاتل أسطورة تُروى في السمر

وتُتغنى بها. وغاب ذكر رجلٍ وصل إلى رتبة وزير الحربية.

ولكنها أحوال الشعوب. تعيش الأسطورة، ويُطوى الفعل الحقي في النسيان.

وإلى اليوم، ما زلنا نسأل بهية: “مين اللي قتل يس؟”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.