في مصر لا ينظر الناس إلى الأرض باعتبارها مجرد أصل اقتصادي أو سلعة قابلة للبيع والشراء بل يرون فيها جزءًا من الهوية الوطنية وعنوانًا للسيادة، لذلك فإن أي تشريع يتعلق بملكية الأرض أو العقار يخرج بطبيعته من دائرة الاقتصاد إلى دائرة الأمن القومي ويصبح محل اهتمام واسع وتساؤلات مشروعة
ولهذا لم يكن مستغربًا أن يثير الحديث عن “تصدير العقار” – أي توسيع فرص تملك غير المصريين للعقارات – نقاشًا واسعًا بين المواطنين، فالدولة تسعى إلى جذب الاستثمار وتوفير موارد إضافية من النقد الأجنبي، وهي أهداف اقتصادية مفهومة في ظل التحديات الراهنة.. لكن المصريين في المقابل ينظرون إلى القضية من زاوية أخرى لا تقل أهمية وهي الحفاظ على السيادة الوطنية وضمان عدم ظهور آثار جانبية تمسها في المستقبل!
هذه الحساسية ليست مبالغة أو محض خيال، ولا تعكس رفضًا للاستثمار الأجنبي، لكنها تعبر عن طبيعة اللحظة التي تعيشها المنطقة.. فمصر تقع وسط إقليم يموج بالصراعات والتدخلات ويشهد تغيرات متلاحقة تمس أمن حدود الدول واستقرارها!
وفي ظل هذا المشهد، يصبح من الطبيعي أن يتعامل المواطن بحساسية وقلق شديد مع أي قضية ترتبط بالأرض أو الملكية أو انتقالها إلى أطراف أجنبية.
هذا القلق لا يزداد بسبب القانون وحده، بل بسبب نقص المعلومات التي تصل إلى الرأي العام حول الضمانات المصاحبة له.
فالمواطن لا يطالع النصوص القانونية كاملة ولا يتابع كل تفاصيل المناقشات ولذلك تبقى أمامه أسئلة تحتاج إلى إجابات واضحة ومباشرة، ومن حق الدولة أن تشرع ما تراه مناسبًا لتحقيق مصالحها الاقتصادية لكن من حق المجتمع أيضًا أن يعرف كيف تحمي هذه التشريعات السيادة الوطنية في كل مراحل تنفيذها!
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي تستحق إجابات واضحة: إذا باع مستثمر أجنبي العقار بعد سنوات فما الضمانات التي تحكم انتقال الملكية إلى مشترٍ جديد؟ وهل تراجع الجهات المختصة هوية المشتري الجديد قبل إتمام الصفقة؟ وهل تحتفظ الدولة بحق الاعتراض إذا تعارض انتقال الملكية مع مقتضيات الأمن القومي؟ وهل توجد أولوية للدولة أو للمواطن المصري في بعض حالات إعادة البيع؟ وهل تكشف الجهات المختصة هوية المستفيد الحقيقي من عملية الشراء حتى لا تتحول بعض الشركات أو الكيانات إلى مجرد واجهات تخفي أطرافًا أخرى؟
ولا تتوقف أهمية الضمانات عند لحظة توقيع العقد بل تمتد إلى ما بعدها، فقد يلتزم المستثمر بكل الشروط عند الشراء ثم تتغير ملكية الشركة المالكة بعد سنوات عبر الاندماج أو الاستحواذ أو نقل الأسهم إلى أطراف أخرى تختلف طبيعتها أو أهدافها عن المالك الأول!
لذلك لا يكفي فحص المشتري عند بداية التعاقد بل تحتاج الدولة إلى نظام مراجعة دورية يراقب أي تغير جوهري في هيكل الملكية أو الإدارة إذا ترتب عليه انتقال السيطرة الفعلية على العقار أو المشروع، فاليقظة المستمرة في مثل هذه الملفات ليست تعقيدًا للإجراءات وإنما إحدى وسائل حماية الأمن القومي وصيانة السيادة.
وتطرح القضية بعدًا اجتماعيًا لا يقل أهمية، فإذا تركز الطلب الأجنبي في مناطق بعينها فقد ترتفع أسعار العقارات
والإيجارات بصورة تجعل امتلاك السكن أكثر صعوبة أمام الشباب والأسر المصرية وهنا يصبح من الضروري أن توازن
السياسات العامة بين جذب الاستثمارات والحفاظ على حق المواطنين في الحصول على سكن مناسب بأسعار
عادلة.
قد يرى البعض أن الحديث عن هذه الضمانات يمس حرية التصرف في الملكية لكن الواقع يقول إن العقد شريعة
المتعاقدين، وأن كل دولة تملك الحق في وضع الشروط التي تحمي مصالحها العليا وكثير من دول العالم تفرض ضوابط
على تملك الأجانب أو على إعادة التصرف في بعض الأصول لا رفضًا للاستثمار وإنما حفاظًا على اعتبارات الأمن
القومي والمصلحة العامة.
من هنا لا تبدو القضية صراعًا بين الاستثمار والسيادة، ولا بين الاقتصاد والوطنية، وإنما هي بحث عن معادلة تحقق
الاثنين معًا، فمصر تحتاج إلى الاستثمار الأجنبي، وتحتاج إلى كل دولار يدعم اقتصادها.. لكنها تحتاج بالقدر نفسه
إلى بناء ثقة مجتمعية تقوم على الوضوح والإفصاح والشفافية.
الشفافية في مثل هذه الملفات ليست ترفًا سياسيًا بل جزء من منظومة الأمن القومي، وكلما شرحت الدولة
للمواطنين الضمانات التي تحكم انتقال الملكية وآليات الرقابة وحقوقها في مراجعة أي تغييرات مستقبلية تراجعت
مساحة الشائعات وازدادت الثقة، واستقرت الجبهة الداخلية
لسنا ضد الاستثمار الأجنبي، بل نرحب بكل استثمار يضيف قيمة حقيقية للاقتصاد الوطني ويوفر فرص العمل ويزيد
الإنتاج ويحترم القوانين المصرية.
لكننا في الوقت نفسه نطالب بضمانات واضحة تحافظ على الأرض وتصون السيادة، وتطمئن المصريين إلى أن كل
خطوة اقتصادية تراعي مصالح الأجيال القادمة قبل أن تحقق مكاسب الحاضر. فالدولة القوية لا تختار بين جذب
الاستثمار وحماية السيادة، وإنما تنجح في الجمع بينهما تحت مظلة القانون والشفافية والثقة.