ناصر النوبي يكتب : بين استعادة العقول في الخارج واكتشاف الطاقات في الداخل
هل تعود المواهب المصرية من جديد؟

سؤال مهم يفرض نفسه اليوم: هل تعود المواهب المصرية المتفردة إلى مكانها الطبيعي في بناء مستقبل مصر؟
في السنوات الأخيرة بدأنا نشهد تغيرًا إيجابيًا في طريقة التفكير تجاه أبناء مصر الذين يعيشون خارج الوطن، خاصة في مجال كرة القدم، حيث أصبح المنتخب المصري أكثر انفتاحًا على أصحاب المواهب من مزدوجي الجنسية. وهذا التحول لا يمثل فقط إضافة رياضية، بل يعكس تغييرًا أعمق في مفهوم الانتماء والولاء.
لقد عانت مصر لعقود من نظرة غير صحيحة تجاه بعض أبنائها الذين ولدوا أو نشأوا في الخارج، وكأن امتلاكهم جنسية أخرى يعني فقدان ارتباطهم بوطنهم الأم. لكن الحقيقة أن الإنسان قد يهاجر مع أسرته بحثًا عن فرصة أفضل، أو عن مناخ يساعده على تحقيق أحلامه، وهذا لا يمحو جذوره ولا يلغي هويته.
فكم من العلماء والباحثين والمهندسين والأطباء والمعلمين المصريين تألقوا في أكبر جامعات ومؤسسات العالم، وأثبتوا أن المصري قادر على الإبداع والنجاح عندما تتوفر له البيئة المناسبة. إن الولاء الحقيقي ليس مجرد وثيقة أو جواز سفر، بل هو إحساس عميق يسكن القلب، وارتباط بالهوية والتاريخ والثقافة والجذور.
ولعل التاريخ المصري يقدم لنا نموذجًا واضحًا لذلك. فقد أدرك محمد علي باشا أهمية الانفتاح على العالم، فأرسل البعثات العلمية إلى فرنسا وإنجلترا وألمانيا وغيرها، وعندما عاد هؤلاء المصريون حملوا معهم علوم العصر وخبراته، وأسهموا في بناء نهضة مصر الحديثة في الطب والهندسة والزراعة والتعليم والجيش ومختلف مجالات الحياة.
لكن بناء المستقبل لا يعتمد فقط على استعادة المواهب المصرية من الخارج، بل يبدأ أيضًا من الداخل، من خلال اكتشاف ورعاية المواهب المحلية في كل قرية ومدينة ونجع.
فمصر كانت دائمًا أرضًا خصبة للمبدعين، ولكن كثيرًا من المواهب تضيع بسبب غياب الاكتشاف المبكر، أو نقص الرعاية والتدريب والفرص. إن الطفل الموهوب في الرياضة أو الموسيقى أو العلوم أو التكنولوجيا يحتاج إلى من يكتشفه ويؤمن به ويوفر له البيئة التي تساعده على التطور.
إن تجربة الدول المتقدمة تؤكد أن صناعة النجاح لا تعتمد على المصادفة، بل على وجود منظومة لاكتشاف الموهوبين منذ الصغر، وتوفير التدريب والتعليم والدعم النفسي والمادي لهم حتى يصبحوا نماذج عالمية.
ولا يمكن أن يكون الاختيار بين المصري في الداخل والمصري في الخارج؛ فكلاهما يمثل ثروة وطنية. فالمصري الذي نجح في الخارج يحمل خبرة وتجربة، والمصري الذي ينتظر فرصة في الداخل يحمل طاقة وحلمًا. والنهضة الحقيقية تقوم عندما نربط الاثنين معًا.
ثم جاءت ثورة 1919 لتؤكد أن الروح المصرية قادرة على النهوض من جديد، وهي الروح التي جسدها الأديب الكبير توفيق الحكيم في روايته “عودة الروح”، حيث عبّر عن عودة إحساس المصريين بوحدتهم وقدرتهم على صناعة المستقبل.
إن مصر اليوم تمتلك ثروة هائلة من أبنائها المتميزين في الداخل والخارج. هناك مصريون يحققون نجاحات كبيرة في التكنولوجيا والطب والعلوم والفنون والرياضة في مختلف دول العالم. والسؤال ليس: أين يعيش هؤلاء؟ بل: كيف نستفيد من قدراتهم وخبراتهم لخدمة وطنهم؟
إن احترام المصريين في الخارج، وفتح الأبواب أمامهم للمشاركة، وبناء جسور حقيقية معهم، بالتوازي مع إنشاء منظومة قوية لاكتشاف المواهب المحلية، يمكن أن يوفر على مصر سنوات طويلة من البحث والتجربة.
فالأوطان لا تتقدم فقط بالموارد الطبيعية، بل بالعقول والطاقات البشرية. وكل موهبة مصرية، سواء ولدت في القاهرة أو في قرية صغيرة أو عاشت في أي مكان بالعالم، هي جزء من قوة مصر ومستقبلها.
عودة المواهب المصرية ليست مجرد عودة لاعبين إلى المنتخب، بل هي عودة لفكرة أكبر: أن مصر قادرة على جمع أبنائها، ورعاية مبدعيها، وتحويل الطاقات الكامنة إلى إنجازات حقيقية.
فطالما أن هناك مصريين متفردين ومبدعين يثبتون نجاحهم في كل أنحاء العالم، وطالما أن هناك أطفالًا وشبابًا يحملون مواهب لم تُكتشف بعد، فإن أمام مصر فرصة عظيمة لبناء نهضة جديدة.
المستقبل لا ينتظر من يتردد، والأمم التي تريد التقدم لا تستكين أبدًا.