” تحت سماء خلوصي ” .. قصة قصيرة للإعلامي محمود عبد السلام

لم يدرِ الحي ولا هو سرّ المناداة.
“شريف” لا يشبه “سانتو” في حرف ، غير أن العم وحده كان يعرف وكان يصمت.
في أواخر الستينات، كان للدار كبيرٌ لا هيئة له إلا مقعدٌ في العتمة ، نهاره في “سينما مسرة” حيث تُعرض ثلاث حكايات في ليلٍ واحد،وليله في “أمير” الصيفية، تحت سماء خلوصي، حيث ينتصر الخير دوماً قبل أن يضيء المصباح.
وكان يعود إلينا ليقصّ. عن رصاصةٍ ارتدت من نحاسٍ جرس الكنيسة فأصابت الباطل في مقتل ،وكان يختم دائماً : “انظروا، العدل لا يتأخر” .. ومات الكبير ذات ليلةٍ وهو يحلم بلقطةٍ أخيرة لم تُعرض.
بعد الرحيل، اتفقوا أن يبقى للدار راوٍ. فاختاروا العم الأكبر .. سنين وهو يُسقط علينا الضوء من بكرةٍ وهمية.
ثم انقطع الشريط .. “الحكاية الأخيرة.. معتمة” قال :
“رجلٌ خرج إلى اليم وحده. حارب ثلاثة أيام ، وعاد يجرّ وراء قاربه عظماً لسمكة كبيرة تأكله أسماك القرش”.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يدخل “مسرة” ولا “أمير”.
صار يخرج عند الغسق إلى النيل ويجلس ..
يقولون إنه كان يعتذر لصمتِ الماء ..
وفي ذلك العام وُلد في البيت صغيرٌ سُمّي باسم العم ، وفي ليلة السبوع، وقف العم تحت لمبةٍ صفراء وقال:
“هذا لن يعيش في زمن النهاية السعيدة .. هذا سيعيش في زمن اللقطة الطويلة التي لا تنتهي.
فلناده باسمٍ أخفّ من ثقل البحر.. سانتو” ، فضحكوا. ولم يرَ أحدٌ الرعشة في يديه.
كبر الصغير على الإسم. وكبر العم على مقعدٍ فارغ في الصف الأخير ..
وحين مات، لم يترك شيئاً إلا علبة صفيح .. فتحناها. لم نجد فيها أفلاماً ولا ملصقات.
وجدنا تذاكر مقطعة من “مسرة” و”أمير” ،ووجوهاً باهتة لناسٍ خرجوا من العرض ولم يجدوا ما ينتظرهم.
وفي قاع العلبة، ورقةٌ صفراء مرسومٌ عليها رجلٌ نائم، وعلى جانبه هيكلٌ طويل.
حينها فقط أدركنا ..
لم يكن العم يحكي لنا سينما.
كان يعيد عرض بحره علينا .. ومن يومها، وأنا أمرّ أمام “مسرة” المغلقة الآن ،وأرى “سانتو” يركض في الحارة،
أسأل نفسي: أي شريطٍ سيُعرض له..وأي نهايةٍ سيُكتب له على الشاشة؟