محمد نبيل محمديكتب : الصورة الذهنية لنصر أكتوبر وهزيمة كيبور 36

جولدا تصف حال الهزيمة على أمهات وأطفال جنودها خلال جنازاتهم

الكاتب محمد نبيل
“وقد أصبحنا فى النهاية صديقين حميميين، ولم تكن هناك مناسبة واحدة شكوت فيها من عدم إخلاصه”..جولدا تتحدث باعتراف صريح عن علاقاتها الوطيدة بوزير جيش الدفاع، موشيه دايان، رغم اختلاف تركيبة شخصية كل منهما، وأيضا رغم معارضته لتوليها رئاسة الوزراء بعد أشكول، إلا أن فى هذا التقرير بالتصريح المعنى بإخلاص موشيه دايان لجولدا، وهو الإخلاص المطلق الذى أكدته جولدا بذكرها لمفردة”واحدة” فحتى الاستثناء فى إخلاص وزير الدفاع تحت أى مبرر غير موجود على الإطلاق، وبالتالى فى هذا الاعتراف بمسئولية جولدا العسكرية تجاه “هزيمة كيبور” فلا قرار اتخذه وزير الدفاع دون الرجوع إليها، فضلا عن مسئوليتها السياسية أيضا.
“لكننى ما كنت أخالفه فى أحد أفكاره حتى يصرف النظر عنها”.. وهنا الاعتراف التالى وكما يقولون فى علم النفس الجنائى “الاعتراف بالتكرار” وعلم النفس الجنائي هو فرع تطبيقي من علم النفس يدرس العوامل والدوافع النفسية وراء السلوك الإجرامى ويهدف لفهم شخصية المجرم، وكما جاء عن ذلك فى كتاب “علم النفس الجنائى” الصادر عن دار غريب تأليف: د. محمد شحاتة ربيع، د. جمعة سيد يوسف، د. معتز سيد عبد الله، ويعد من أهم المراجع العربية الأكاديمية التي تربط بين علم النفس والقانون، ويفسر النظريات السلوكية ويصنف المجرمون.
وما تشير إليه أدبيات مناهج البحث بإختبار “الثبات والصدق” ومنهم كتاب “تحليل المضمون فى الدراسات الاعلامية” للاستاذة الدكتورة عواطف عبد الرحمن والدكتورة نادية سالم والدكتورة ليلى عبد المجيد عن دار الناشر العربى للنشر والتوزيع، والذى يشير إلى أن تكرار الفكرة وتعبيراتها بمفردات متطابقة أو متقاربة يعنى ثبات “المصدر” وصدقه فيما يقوله ويعلنه، ومن هنا يتأكد للقارىء من جديد مسئولية جولدا مائيير عن هزيمة الكيان الوظيفى وجيش الدفاع في حربه ضد المصريين، فلم يكن وزير الدفاع وحده هو المسئول عن هزيمة كيبور، إذ أن جولدا نفسها تكرر بصياغات متعددة وليست مختلفة المعنى بأن موشيه لم يخالفها الرأى على الإطلاق كما أنه لم يتخذ موقفا تجاه أمر ما دون الرجوع إليها، وبالطبع ما يهمنا بالتحليل والتفسير هنا هو نتيجة حرب أكتوبر التى آلت إلى “هزيمة كيبور”.
“فإذا وضعنا فى اعتبارنا ما عرف عن دايان من أنه لا يستطيع العمل كجزء من فريق، وما عرف عنى أننى لا أصل إلى حلول وسط بسهولة، فلإننى أعتقد أننا بشكل عام قد نجحنا”.. وهذا التحليل الدقيق لكلا الشخصيتين من جانب جولدا عنها وعن موشيه دايان، ورغم تفسيرها الدقيق بالتعارض بينهما ـ كليةـ إلا أنها قد توصلت فى النهاية إلى النجاح المشترك بينها وبين موشيه دايان فى العمل بتناغم وتوافق، وبغض النظر عن أن “النجاح” تلك المفردة التى لم تأتى إلا فى سياق العمل المشترك ، لكنها أثمرت فى النهاية عن “هزيمة كيبور” وتلك المسئولية المشتركة أيضا فى الهزيمة.
وتعود جولدا إلى رغبتها فى عدم الاسراف فى تأكيد مشاركتها الهزيمة مع موشيه دايان، فتذكر فى سياق اعترافاتها فى ذات الفصل الرابع عشر “الهزيمة” عن صور تعبر عنها بدقة بلاغية متناهية حتى تترك للتاريخ وللأجيال التالية ملامح الهزيمة القاسية التى ارتسمت على وجه موشيه دايان بل وانطبعت مرارة الهزيمة على تصرفاته وشخصيته بشكل عام، فتعترف”فلقد شاهدته وهو يعود ممزقا من تلك الجنازات المؤلمة بعد الحرب، عندما كانت النساء يدفعن أطفالهن فى وجهه صارخات:انت قتلت آباهم”.. تلك الصورة الدقيقة عن نتيجة حرب يوم الغفران أو كيبور ترسمها جولدا باجتهاد لا نظير له فى الدقة لتصور واقع الحال لوزير جيش الدفاع، وكأنها تضعه أمام مسئوليته الحقيقية بالهزيمة فى مواجهة الأمهات الثكلى والزوجات المترملات والأطفال اليتامى، وتصل بدقة تعبيراتها إلى استشعار الحركة والصوت وليس فقط الصورة من خلال تعبيراتها الواصفة لمشهد عودته من الجنازات لجنوده القتلى على أيادى المصريين، وحاله الممزق نفسيا والبائس والميئوس منه، بل وتعدد مشاهد أخرى نتيجة الهزيمة، فيكون فى استقباله بالجنازات الامهات والاطفال لا لمشاركتهم الايمان بالدفاع عن فكرة وطنهم ـ الكاذب والكاذبة ـ بل للبكاء والنحيب على قتلاهم من جنود جيش الدفاع، بل وتستغرق جولدا فى الوصف ببلاغة بارعة عندما يشيح الأطفال وأمهاتهم فى وجه وزير الدفاع ويحملونه مسئولية قتل أبنائهم وابائهم، فى دلالة على عدم تكافىء كفتى الحرب، تلك التى اغرق دايان مسامع الأمة اليهودية والكيان الصهيونى بأن المصريين لن يجروءوا على القيام بأى رد عسكرى وانهم فى سبات عميق وان قناة السويس ستكون بحرا من دمائهم وان خط بارليف اعتى خطوط المنع فى التاريخ وان جيش الدفاع لا يقهر وان الفارق التكنولوجى عشرين عاما بين الصهاينة والمصريين، وغيرها من الانباء التى تغنى بها دايان عن استحالة نصر المصريين، أو حتى طرح فكرة هجوم محدود من ناحيتنا، لكن ـ الآن ـ وقد تراصت توابيت القتلى وامتلىء الكيان صراخ وعويل الامهات والأطفال، فى دلالة أكثر وضوحا هن حال الهزيمة التى منى بها جيش الدفاع ووزيره وجولدا وحكومتها والامهات والاطفال من الأمة العبرية.
والكثير من مرارة الإعتراف سيأتى ذكره تاليًا إن شاء الله.
… عن كتابى تحت الطبع (الصورة الذهنية لنصر اكتوبر وهزيمة كيبور).
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.