للمصريين مع الخطر مواقف لا تتغير، وعقيدة وطنية لا تتبدل، وإرادة لا تنكسر مهما اشتدت المحن وتعاظمت التحديات. وعندما يتعلق الأمر بتهديد الوطن أو العبث بهويته أو المساس بشخصيته الحضارية، يظهر المعدن الحقيقي لهذا الشعب الذي أثبت عبر التاريخ أنه قد يختلف في كل شيء، لكنه يتوحد فور استشعار الخطر تحت راية مصر.
في تلك اللحظات الفارقة يتحول كل مواطن إلى حارس لوطنه، وكأن المسؤولية تقع على عاتقه وحده، فيرتفع صوت الضمير الوطني فوق كل اعتبار، ويصبح الشعار واحدًا: كل شيء يهون إلا الوطن.
وتاريخ مصر الحديث زاخر بمحطات جسدت هذه الحقيقة، ولعل أبرزها حرب أكتوبر المجيدة وثورة 30 يونيو، وهما حدثان يفصل بينهما عقود من الزمن، لكن يجمعهما هدف واحد هو إنقاذ الوطن والحفاظ على بقائه.
في أكتوبر 1973 كان الهدف واضحًا ومحددًا: استعادة الأرض التي اغتصبتها الحرب، واسترداد الكرامة الوطنية والعسكرية التي حاول العدو النيل منها. فكان العبور العظيم الذي أعاد الثقة للأمة وأثبت أن الإرادة المصرية قادرة على صنع المعجزات حين تتسلح بالإيمان والعلم والتخطيط.
أما في 30 يونيو 2013 فكان التحدي مختلفًا، لكنه لم يكن أقل خطورة. فالمعركة هذه المرة لم تكن على جزء من
الأرض، بل على الدولة الوطنية نفسها. كانت مصر تواجه لحظة فارقة شعرت فيها قطاعات واسعة من الشعب بأن
الوطن يتعرض لمحاولة اختطاف، وأن هويته التاريخية وشخصيته الحضارية ومستقبله باتت على المحك.
في أكتوبر كان البطل جيشًا وطنيًا حمل على عاتقه مهمة تحرير الأرض، وسار خلفه شعب مؤمن بقضيته، داعم
لقواته المسلحة ومساند لها حتى تحقق النصر.
وفي 30 يونيو كان البطل هو الشعب المصري بكل أطيافه وانتماءاته عندما خرج بالملايين ليعلن رفضه لمسار رأى أنه
يقود الدولة إلى المجهول. ومن خلف هذا الشعب وقف جيش وطني انحاز لإرادة المصريين وحمى الدولة من الانزلاق
إلى الفوضى والصدام الأهلي، ليشكل مع الشعب معادلة وطنية حافظت على بقاء الدولة المصرية موحدة وقادرة
على مواجهة التحديات.
في أكتوبر حطم الجيش المصري أسطورة الجيش الذي لا يُقهر وفرض واقعًا جديدًا ما زالت المؤسسات العسكرية في
العالم تدرسه حتى اليوم باعتباره نموذجًا فريدًا في التخطيط والقتال والإرادة.
وفي 30 يونيو نجح المصريون في إسقاط مشروع كان يستهدف إعادة تشكيل المنطقة على حساب الدول الوطنية
ومؤسساتها وأفشلوا مخططات الفوضى والتفكيك التي عصفت بعدد من دول الإقليم، وأثبتوا أن مصر أكبر من أن
تُختطف، وأقوى من أن تُدفع إلى مصير الدول التي سقطت في دوامات الانقسام والصراع.
كما تمكنت ثورة 30 يونيو من إسقاط فكرة احتكار الوطن أو اختزاله في جماعة أو تنظيم فجاء الشعار الذي ردده
الملايين “يسقط يسقط حكم المرشد” معبرًا عن تمسك المصريين بدولتهم الوطنية المدنية التي تتسع لجميع أبنائها
دون وصاية أو إقصاء.
وإذا كانت حرب أكتوبر قد أطلقت ما عرف بـ”روح أكتوبر” التي صنعت المستحيل وأعادت رسم موازين القوى، فإن 30
يونيو أعادت إحياء الروح ذاتها داخل وجدان المصريين مؤكدة أن هذا الشعب لا يستسلم ولا يقبل المساس بدولته وأنه
قادر على استدعاء طاقاته الكامنة كلما واجه خطرًا وجوديًا يهدد مستقبله .
لقد دفعت مصر ثمنًا غاليًا عبر سنوات طويلة من المواجهة مع الإرهاب والفوضى ومحاولات إسقاط الدولة وسقط
شهداء أبرار من الجيش والشرطة والمدنيين دفاعًا عن حق المصريين في الحياة الآمنة وفي الحفاظ على وطنهم
موحدًا ومستقرًا.
وفي الذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو، لا نستحضر الماضي من باب الحنين أو الاحتفال فقط، بل من باب الوعي
أيضًا. فالدرس الأكبر الذي تعلمه المصريون هو أن الحفاظ على الدولة الوطنية مسؤولية مستمرة، وأن الفوضى عندما
تبدأ يكون من السهل إشعالها ومن الصعب إخمادها.
واليوم وبعد ما شهدته المنطقة من حروب وانهيارات وصراعات تبدو قيمة ما فعله المصريون أكثر وضوحًا من أي وقت
مضى ، فقد أنقذوا دولتهم في اللحظة المناسبة وحافظوا على مؤسساتها وفتحوا الطريق أمام مرحلة جديدة من
الاستقرار والبناء والتنمية .
تحية لشهدائنا الذين قدموا أرواحهم فداءً لمصر في كل ميادين الشرف وتحية لشعب أدرك حجم التحدي فاختار الوطن
وتحية لجيش وشرطة حملا الأمانة في أصعب الظروف .
ويبقى الدرس الأهم أن مصر التي استعادت أرضها في أكتوبر، واستعادت دولتها في 30 يونيو، لن تعود إلى الوراء مرة
أخرى. فوعي المصريين اليوم أصبح أقوى من كل محاولات التضليل، وتجربة السنوات الماضية صنعت حصانة وطنية
راسخة تؤكد أن ما جرى في 2011 بكل ما حمله من فوضى وفراغ واضطراب لن يتكرر، وأن مصر ستظل قادرة على
حماية نفسها وصون هويتها والحفاظ على دولتها مهما تبدلت التحديات وتغيرت الظروف.