قراءة في مسرحية “الملك لير” .. يكتبها الإعلامي محمود عبد السلام
"لير الفخراني"... حين ارتدى شكسبير العباءة المصرية
ما كنتُ أحضر عرضاً لمسرحية “الملك لير” – تلك الدرة من درر شكسبير وأعظم مآسيه – إلا ويعتريني الأسى، لا لحزن النص، بل لعجزي عن الظفر بتذكرة. فالقاعة كل ليلة “كومبلية” مكتملة العدد، والمقاعد تُحجز قبل العرض بأيام.
وفي اتصال هاتفي بابنتي المخرجة القديرة بمسرح الطليعة، ريهام عبد الحميد، نبّأتني بأن صديقي الممثل الفذ الأستاذ حسن يوسف، مدير مسرح الطليعة الأسبق، يشارك في العرض المقام على خشبة المسرح القومي. فجاءتني منه دعوة كريمة.
وفي الموعد المضروب، كان في انتظاري بوجهه البشوش الذي عهدته، يحمل في إحدى يديه بطاقة الدعوة، وفي الأخرى فنجان قهوتي على الهيئة التي أحبها. ثم استأذن لعمل المكياج، فجلستُ إلى مقعدي، وانفتح الستار على عالمٍ الفخراني .
حين قدّم المخرج شادي سرور “الملك لير” على خشبة المسرح القومي، لم يكن يراهن على نصٍ خالد فحسب، بل على ثلاثي تمثيليٍ ثقيل: يحيى الفخراني، وطارق الدسوقي، وحسن يوسف. ومعهم مجموعة من الشباب ، رهانٌ لم يُخطئ، فخرج العرض مرآةً صادقةً عن السلطة وغوايتها، والجنون وصدقه، والخذلان ومرارته.
يحيى الفخراني: الملك الذي سقط إنساناً
لم يمثل الفخراني دور “لير” تمثيلاً، بل تقمّصه تقمصاً حتى صار هو الملك. بدأ المشهد بتوزيع المملكة بنبرة المَلِك المزهو المتيقن من طاعة الجميع، وانتهى بمشهد العاصفة وهو يهذي تحت المطر، الثياب ممزقة والهيبة مهشمة. قدم لنا رحلة سقوط الإنسان قبل الملك. عيناه نطقت بما عجز عنه اللسان: لحظة إدراك الخيانة، وندم الأبوة الذي جاء متأخراً، والجنون الذي بدا أصدق من العقل وأقرب إلى الحقيقة.
حسن يوسف: ضمير المسرحية الناطق
جسّد حسن يوسف شخصية اللورد “كنت”، رمز الوفاء في زمن الخيانات. بنبرةٍ هادئةٍ رصينة وثباتٍ لا يتزعزع، قدّم الرجل الذي يقدّم الحق على رضا الملك. هو الذي جاهر بالاعتراض في المشهد الأول، فكان جزاؤه النفي. وهو الذي تنكّر وعاد ليكون ظل الملك الحارس، يدفع ثمن ولائه تشرداً وإذلالاً. أداء حسن يوسف جعل الوفاء فعلاً ملموساً، لا شعاراً يُرفع.
طارق الدسوقي: ثمن البصيرة
وأما طارق الدسوقي في دور إيرل “جلوستر” اللورد المخلص، فقد رسم أقسى مسارات المأساة. بدأ نبيلاً مخدوعاً يصدّق وشاية الابن العاق، وانتهى شيخاً كفيفاً اقتُلعت عيناه ثمناً لمعرفته المتأخرة. مشهد فقء العين لم يكن صادماً بدمائه، بل بصوت الدسوقي المتهدج وهو يصرخ مدركاً أنه كان أعمى البصيرة قبل أن يفقد البصر.

راهن المخرج شادي سرور على الاقتصاد في الديكور وبهاء الأزياء الملكية، فكان التركيز كله على الممثل والكلمة. والمطر الصناعي المنهمر في مشهد العاصفة، والموسيقى الحزينة المتقطعة، صنعا عالم “لير” القاسي المتجمد. وجاءت اللغة الفصحى السلسة لتقرّب شكسبير من المتلقي المصري، من غير أن تنتقص من شاعريته وهيبته.
ليست هذه النسخة من “الملك لير” إعادةً لنصٍ قديم، بل صفعةٌ توقظنا: السلطة تكشف معادن الناس، والوفاء عملةٌ نادرةٌ في سوق المصالح، والحقيقة لا تُمنح مجاناً بل تُشترى بثمنٍ باهظ. وبوجود ثلاثيٍ بقامة الفخراني ويوسف والدسوقي، غدا هذا العرض علامةً فارقةً في سجل المسرح المصري المعاصر.
فمن فاته العرض فقد فاته درسٌ بليغٌ في فن التمثيل. ومن حضره، لا بد أن صدى صرخة الفخراني لا يزال يتردد في وجدانه.