الكاتب الصحفي عبدالرازق توفيق يكتب : «واشنطن – طهران» .. وغياب الحسم

لا حرب لا سلم.. لا اتفاق.. الأمور معلقة والمشهد بين أمريكا وإسرائيل من ناحية وإيران من ناحية أخرى يثير الكثير من علامات الاستفهام والحيرة والريبة فى طبيعة العلاقات بين واشنطن وتل أبيب.. ومن الواضح أن هناك توزيعاً للأدوار ومناورات صهيو- أمريكية يسعى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للخروج بأقل الخسائر من هذا المأزق ويبحث عن اتفاق يحفظ له ماء الوجه.. فإذا كان الكونجرس قيد قراراته العسكرية بشأن الحرب مع إيران.. فإنه ربما يجد الحل فى إسرائيل لتقوم بالدور المحدود فى تبادل الهجمات بين طهران وتل أبيب.. فالإدارة الأمريكية لديها مأزق آخر.. وهو الاستسلام للسيطرة الإسرائيلية.. فترامب يقول ولا يفعل.. وربما يفسر غياب الفعل بتحكم إسرائيل فى قراراته تارة يعلن أنه متفائل وأن الاتفاق بات وشيكاً.. ثم يعلن بعد ساعات إن إيران تمارس الخداع.. وأن الحل فى توجيه ضربات عسكرية قاضية من أجل إجبارها على التنازل.
تعدد الأطراف وتباين المواقف بين الأمريكان والإيرانيين ربما يعود أن واشنطن تضع إسرائيل فى حساباتها.. وتأخذ بملاحظاتها وإصرارها على القضاء على الردع الإيرانى وعدم التجاوب مع أى اتفاق لا ينهى هذه المخاوف الإسرائيلية.. وأيضاً رئيس الوزراء الإسرائيلى المتطرف لا يريد ايقاف آلة الصراعات والحروب المتلاحقة والمتزامنة سواء مع حركة حماس فى قطاع غزة والضحية هو الشعب الفلسطينى وقضيته.. أو العدوان على لبنان وتدمير مقدراته واحتلال المزيد من أراضيه.. أو اليمن لمحاولة القضاء على أحد الأذرع الإيرانية وتحجيم جماعة الحوثى ومحاولات نتنياهو إدخل المنطقة فى آتون الصراع المدمر والعمل على بث الفتنة وإقحام دول الخليج الشقيقة فى حرب أو صراع لا تريده وترفض المشاركة فيه لأنه لا عائد منه ولا طائل.. فإشعال الحرائق وتغذية الصراع هو الغذاء الصحى الذى يعيش عليه نتنياهو من أجل الحفاظ على وجوده السياسى ونجاته من السجن بسبب قضايا فساد.. ولعل ما تردد من تسريبات عن اتصال ترامب بنتنياهو وتوبيخه وتهديده بالسجن وتذكيره بأنه أنقذه من المصير الأسود الذى يستحقه ثم اتصال ترامب بسارة زوجة نتنياهو التى تسيطر على قراراته وتهديدها بمصادرة أموال وأصول عائلة نتنياهو بالولايات المتحدة وطرد ابنهما من الإقامة فى أمريكا وغيرها من التهديدات ربما يفسر حالة التخبط التى يعيشها ترامب وأيضاً نقاط الضعف التى يعانى منها نتنياهو.. وهناك تفسير آخر ذهب إليه البعض بأن هذه التسريبات مجرد تمثيلية لحفظ ماء وجه ترامب بعد شائعات عن سيطرة نتنياهو عليه أو خداع إيران وهو ما ذهب إليه البعض فى طهران لكن تبقى حقيقة واضحة ويقيناً لدى قطاع كبير من الأمريكان ان ترامب سقط فى فخ السيطرة الإسرائيلية وأنه ينفذ ما يريده نتنياهو.
وربما ما يؤخر الوصول لاتفاق بين واشنطن وطهران ليس فقط إسرائيل.. ولكن وضع حزب الله ضمن شروط الاتفاق ولبنان تدفع الزج بها فى صراع عبثى يأتى لحساب إيران حسب ما أكده الرئيس اللبنانى جوزاف عون.
الاتفاق المعلق أو الغائب بين واشنطن وطهران يلقى بآثار صعبة ومؤلمة على دول المنطقة والعالم خاصة على الصعيد الاقتصادى وكأن الأمر ممنهج ومعقود فمازال مضيق هرمز دون فتح وهو أمر يؤدى إلى استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز ويحمِّل ميزانيات الدول فواتير باهظة ويثير اضطرابات فى سلاسل الإمداد ترفع أسعار السلع ومعدلات التضخم وتزيد من أعباء وآلام الشعوب فالحسم أياً كان نوعه سواء بهزيمة طرف أو الوصول لاتفاق ربما يكون طريقاً لتخفيف المعاناة وربما يكون الانتصار الأمريكي- الصهيونى هو السيناريو الأخطر على المنطقة لأن الهدف الصهيونى هو إعادة تشكيل المنطقة أو الشرق الأوسط الجديد.. وتغيير خريطة القوى فى المنطقة وهو ما لا يريده أى مواطن عربى رغم الاختلاف مع إيران ولكن سقوط أى دولة فى المنطقة أمر خطير.. يزيد من تمادى الأوهام الإسرائيلية.
يبدو أن الاتفاق معلق بسبب وجود خلافات «أمريكية- إيرانية» فى عدد من النقاط أبرزها الافراج عن الأموال والأصول الإيرانية قبل توقيع الاتفاق.. وكذلك البرنامج النووى واليورانيوم المخصب الإيراني.. ووافقت إيران على نقل جزء من اليورانيوم المخصب لدولة ثالثة وإسرائيل تريد ليس القضاء على البرنامج النووى الإيرانى فحسب ولكن على الصواريخ الباليستية الإيرانية وتقليص مدايات هذه الصواريخ بحيث تضمن عدم قدرتها على الوصول إلى إسرائيل وترامب نفسه حائر يريد الاتفاق لأسباب كثيرة أبرزها إدراكه أن الحرب مع إيران مستنقع ومأزق أثر على شعبيته ووضعه السياسى فى أمريكا بالإضافة إلى الفشل العسكرى فى إسقاط النظام الإيرانى وهو ما أدى إلى إقالة رئيس الموساد ونائبه بسبب تقديراتهما بإسقاط النظام الإيرانى فى ثلاثة أو أربعة أيام وهو لم يحدث إلى الآن رغم أن الهجوم الأمريكي- الإسرائيلى على إيران بدأ فى 28 فبراير الماضي.. بل أدى إلى حالة من العناد الإيرانى ورفع سقف الشروط والتحكم فى مضيق هرمز.
أخطر ما فى تعليق الاتفاق أو عدم الحسم هو تأثيراته الصعبة على الصعيد الاقتصادى واستنزاف موارد وثروات بعض دول المنطقة المتضررة من الحرب خاصة الدول الشقيقة فى الخليج.. وتحمل دول أخرى مثل مصر فواتير باهظة بسبب تداعيات الحرب أو تعليق الاتفاق ووضعه فى الثلاجة وهو ما يحقق للمخطط الصهيو- أمريكى مبدأ ضرب عشرات العصافير بحجر واحد من أجل زيادة معاناة الشعوب وهو ما يؤدى إلى تحريضها ومحاولة فك الاصطفاف.. لكن الشعوب باتت واعية بفكر ومخطط الشيطان.. هل نحن أمام تمثيلية.. مسرحية لها أهداف تخدم أطراف الصراع.. الأيام ستكشف ذلك حتماً.. لكن يبقى الأهم من نتائج الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران.. أن الدول الكبرى فى المنطقة اتخذت مسار التحالف كخيار حتمى للتصدى للمخططات الصهيو- أمريكية التى تستهدف دول المنطقة واحدة تلو الأخري.. وهذا التحالف نراه على أرض الواقع الآن.. وهو ما يثير جنون وغضب الكيان الصهيونى وأبرزها التحالف أو التقارب «المصرى- التركى».
تحيا مصر