الكاتب الصحفي محمد العزيزي يكتب : اختراقات مؤثرة للسياسة الخارجية المصرية في القرن الإفريقي

ما من شك أن السياسة الخارجية المصرية، منذ عام 2014 رسمت مسارًا مختلفًا يقوم على بناء علاقات متوازنة بعيدة عن الاستقطاب الحاد أو الانحياز لطرف على حساب آخر إلا بمقدار ما تفرضه اعتبارات المصلحة الوطنية المصرية
ومع تغير طبيعة الإدارة السياسية للدولة المصرية، تغيرت أيضًا الصورة الذهنية التي كانت سائدة لدى العديد من القوى الإقليمية والدولية شرقًا وغربًا بشأن طبيعة الدور المصري وحدود حركته وتأثيره .
وفي واقع منطقة تعاني اضطرابات ممتدة وصراعات نفوذ متشابكة تبدو السياسة الخارجية المصرية وكأنها تتحرك وفق فلسفة تعتمد على ضبط النفس والصبر الاستراتيجي بعيدًا عن الانفعال أو الانخراط في صدامات مباشرة قد تستنزف الدولة أو تفتح أبوابًا لصراعات طويلة وهي صورة ربما بدت للبعض بطيئة ، لكنها مع مرور الوقت أثبتت قدرتها على تحقيق اختراقات مؤثرة في ملفات شديدة الحساسية خصوصًا داخل القارة الإفريقية ومنطقة القرن الإفريقي ذات الأهمية الجيوسياسية الفائقة بالنسبة للأمن القومي المصري والتي يدور حولها صراع مكتوم غالبا لقوي إقليمية ودولية وقوي وظيفية تعمل لحساب قوي أخري !
فالحديث عن القرن الإفريقي لا يتعلق بمجرد نطاق جغرافي قريب من مصر، بل بمنطقة تمثل قلبًا حيويًا لتوازنات الأمن الإقليمي سواء فيما يرتبط بملف سد النهضة الإثيوبي أو أمن البحر الأحمر أو أمن الملاحة الدولية المرتبط بشكل مباشر بقناة السويس أحد أهم الشرايين الاقتصادية والاستراتيجية للدولة المصرية .
ومن هنا يمكن قراءة التحرك المصري المتصاعد داخل هذه المنطقة باعتباره إعادة تثبيت واعية للمجال الحيوي المصري من خلال دبلوماسية رئاسية نشطة ، لكنها تتحرك بهدوء وتدرك جيدًا أن بناء النفوذ المستدام لا يتحقق بالصخب والشو والصوت العالي أو افتعال الأزمات ، وإنما عبر نسج شبكة واسعة من المصالح والعلاقات والتفاهمات السياسية .
ولعل الزيارات المتتابعة لرؤساء دول إفريقية إلى القاهرة خلال النصف الأول من هذا العام تعكس بوضوح هذا الحراك المتصاعد .. فزيارة الرئيس الإريتري الأخيرة وما سبقها من لقاءات وتحركات مكثفة مع قادة دول إفريقية مطلة على البحر الأحمر أو مؤثرة في ملف منابع النيل إضافة إلى الزيارة الحالية لرئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد لقاءات بروتوكولية أو اقتصادية فقط !
صحيح أن البيانات الرسمية تركز بطبيعتها على التعاون الثنائي وفرص الاستثمار والتنمية الاقتصادية ، إلا أن القراءة السياسية الأعمق لهذه اللقاءات تكشف عن مستويات أعلى من التنسيق السياسي وتبادل الرؤى بشأن الأزمات المتسارعة التي تضرب المنطقة بدءًا من تداعيات الصراعات المسلحة مرورًا بأمن البحر الأحمر ، ووصولًا إلى إدارة ملفات المياه والاستقرار الإقليمي.
كما أن هذا الحضور المصري المتزايد داخل القرن الإفريقي يحمل دلالة أخرى لا تقل أهمية تتمثل في صد وتضييق المساحات أمام محاولات اختراق الكيان الصهيوني ، وقوى إقليمية ودولية عديدة تسعى لإعادة تشكيل خرائط النفوذ في هذه المنطقة الحساسة بما يفرض على القاهرة تأمين مصالحها الاستراتيجية عبر الحضور السياسي الفاعل والشراكات المتوازنة بالإضافة إلي تحقيق حالة ردع معنوي في رسائل متتالية لكل من يحاولون حصار مصر وفصلها عن مجال أمنها الحيوي .
في كل الأحوال تبدو السياسة الخارجية المصرية وكأنها تحقق نجاحات محسوبة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد مدعومة بدبلوماسية رئاسية تحظى بالتقدير والاحترام، وتتحرك وفق رؤية تدرك أن حماية الأمن القومي لا تكون دائمًا بالصوت المرتفع وإنما أحيانًا بالتحرك الهادئ الذي يراكم النتائج ويصنع الفارق ، ويحقق الهدف .