تَسَرْبَلَ النيلُ بلونِ ردائِهِ المميز، وتتابعت أمواجُهُ اللطيفةُ في هدوءٍ، فيما راحت الطيورُ البيضاءُ تلهو فوقَ صفحتِهِ. ونسماتُ الربيعِ الصباحيةُ المحمّلةُ بعطرِ الزهورِ تَلْفَحُ وجهَهُ، فيملأُ صدرَهُ من هوائِها المنعش.
منذُ تعرّفَ على هذا المكانِ في شارعِ آلِ سعود بجزيرةِ المنيل، لم يأنسْ لمكانٍ غيرِه. وجدَهُ أقربَ إلى مزاجِهِ، وأحبَّ إلى نفسِه. في يومٍ محددٍ من كلِّ أسبوع، يحملُ في حقيبتِه كتابًا، وعملًا أو عملين من أعمالِه الأدبية، وقلمًا وكراسةً صغيرةً يدونُ فيها ملاحظاتِه ومسوداتِ أفكارِ قصصٍ ينوي كتابتَها.
يجلسُ على شاطئِ النيلِ عندَ مائدةٍ كاشفةٍ تمتدُّ من ناحيةِ كوبري عباس حتى جزيرةِ الذهبِ بالمعادي. وفي الجهةِ الأخرى يرى حتى كوبري المنيل وفندقَ الفورسيزون. وأمامه بعضُ البيوتِ يتوسّطُها ثلاثةُ أبراجٍ سكنيةٍ شاهقةٍ، كان يسكنُ في أحدِها أنيسُ منصور، وفي الأخرى المخرجُ الكبيرُ توفيق صالح.
وردُ النيلِ يأتي من الجنوبِ مندفعًا مع التيارِ إلى الشمال،هربًا من الحرارة.
مع أولِ فنجانِ قهوةٍ يتركُ نفسَهُ للتأملِ، ويبدأُ في الانفصالِ عمّن حولَهُ تدريجيًا، غارقًا في مياهِ النيلِ، متوحّدًا مع أفكارِه. لا يدري كم من الوقتِ مضى.
مع الفنجانِ الثاني يخرجُ القلمَ والكراسةَ ويبدأُ في تدوينِ الخطوطِ الرئيسيةِ للعملِ الذي ينوي كتابتَهُ. وحين تميلُ الشمسُ نحوَ الغروبِ يبدأُ في كتابةِ القصة. لم يخرجْ يومًا عن هذا النظامِ الصارم، ولم يخُنْهُ خيالُهُ، ولم يتخلَّ عنهُ قلمُهُ.
لكنَّهُ في هذا الصباحِ لم يكن موفقًا كالعادة. كان القلقُ مسيطرًا عليهِ، رغمَ تتابعِ طقوسِهِ الخاصةِ بحذافيرِها. أسندَ رأسَهُ للوراءِ، نظرَ إلى السماءِ، وأغمضَ عينَيْهِ مدةً من الزمنِ لم يدرِ كمْ هي.
حتى استفاقَ على صوتِ احتكاكِ كرسيٍّ بكراسٍ أخرى عندَ المائدةِ المقابلة. فتحَ عينيهِ فوجدَ أمامهُ امرأةً جميلةً في العقدِ الثالثِ من عمرِها تقريبًا. أومأَ لها بتحيةٍ عابرةٍ لغريبينِ جمعَهُما مكانٌ واحدٌ ليس إلا.
كشفتِ ابتسامتُها عن ثغرٍ جميلٍ وعينِين لامعتينِ تعكسانِ حبًّا للحياة. كانت ترتدي رداءً أبيضَ بخطوطٍ صفراءَ كألوانِ الزهور. جلستْ، وضعتْ حقيبتَها أمامَها، وأخرجتْ علبةَ سجائرَ وولاعةً، وأشعلتْ لفافةً. ثم أخذتْ نفسًا عميقًا وهي تعودُ بظهرِها إلى الخلفِ في استرخاءٍ، تنظرُ نحوَ النيلِ كأنها تصوّرُهُ بعينيها.
رغمًا عنهُ وجدَ نفسَهُ يتابعُها بشغفٍ وهي تؤدي طقسَها الخاص، ويدورُ مع دوائرِ الدخانِ المنبعثةِ من سيجارتِها. كلُّ رشفةٍ من فنجانِ قهوتِها ترسمُ على ملامحِها لمحةَ استرخاءٍ، حتى استسلمتْ تمامًا للتأملِ والهدوءِ دونَ التفاتةٍ لشيءٍ آخر.
غادرَ مكانَهُ متجهًا نحوَها، ثم باغتَها وهو يسحبُ كرسيًا ويجلسُ أمامَها. وقبلَ أن تعبّرَ عن دهشتِها أو استيائِها، سبقَ ردَّ فعلِها وقال:
شريف نوار، صحفيٌّ وقاصّ.
نظرتْ إليهِ بثقةٍ ثم قالت: أنا أعلمُ من أنت!
اختصرَ الكلامَ وقال: لكني لا أعلمُ من أنتِ؟
أنا صدفة.
اسمُكِ جميل.
أشكرُك.
منذُ متى وأنتِ هنا يا أستاذ شريف؟
منذُ الآن.. ابتسمتْ ثم قالت: ألم يكنْ لكَ وجودٌ قبلَ الآن؟
كان لي وجودٌ، لكن لم يكنْ لي حضور.
وما الفرقُ بين الوجودِ والحضور؟
الوجودُ يتحققُ بوجودي بين كثيرٍ من الموجودات، أما حضوري فيتحققُ بالشعورِ والإحساس.
كم مرةً كان حضورُكَ في الماضي؟
مراتٌ عدة، ومن ضمنِها هذه المرة.
وكم مرةً كان وجودُك؟
طوالَ الوقت.
ومتى يتحققُ حضورُك؟
عندما أفعل.
تفعلُ ماذا؟
أكتبُ قصةً جديدة.
ولماذا لا تكتبُ الآن وأنتَ حاضر؟
أنا بالفعلِ أكتب.
هل تطلعُني على ما تكتب؟
لم يكتملْ بعد.
ومتى يكتمل؟
يكتملُ بغيابِك.
إذن أنتَ تريدُني أن أغادر؟
بالفعل.
غريبة!
ليس في الأمرِ غرابة.
كيف؟
كلُّ بدايةٍ لها نهاية، وكلاهما مرتبطانِ ببعضِهما، ولن تكتملَ إحداهما إلا بحضورِ الأخرى.
قصدُكَ الفكرةُ لم تكتملْ بعد؟
بالتأكيد.
لماذا إذًا تعرفتَ عليّ؟
صدفة.
هل ستحتاجُ إلى أن نلتقي مرةً أخرى؟
لا.
لماذا؟ لأنَّ الصدفةَ لا تتكررُ مرتين.
في بعضِ الأحيانِ تتكرر.
إذا تكررتْ لم تعدْ صدفة.
ماذا تكونُ إذًا؟
لقاء.
فهمتُ… سلام.
سلام.
قامتْ وغادرتْ. وبقيَ هوَ ينظرُ إلى أثرِ خطواتِها على الرصيفِ، ثم إلى النيل. فتحَ الكراسةَ ووجدَ يدَهُ تكتبُ دونَ توقفٍ. الكلماتُ تتدفقُ كأنها كانت محبوسةً منذُ زمنٍ، تنتظرُ وجهًا، وابتسامةً، وصوتًا يقولُ: “أنا صدفة”.
مرَّتْ أيامٌ. عادَ إلى المكانِ نفسه في الموعدِ نفسه. لم تأتِ.
مرَّ أسبوعٌ، ثم اثنان، ثم شهر. صارَ يسألُ النيلَ عنها، ويسألُ الطيورَ البيضاء، ويسألُ الدخانَ الذي لم يعدْ يرى دوائرَهُ.
وفي مساءٍ خريفيٍّ، حينَ مالَ النيلُ إلى لونِ النحاسِ المحترق، وجدَ على المائدةِ المقابلةِ وردةً صفراءَ ذابلةً، وعلبةَ سجائرَ فارغةً، وورقةً صغيرةً مكتوبٌ عليها بخطِّها:
“الصدفةُ لا تتكررُ، لكنَّها تتركُ فينا ما يجعلُ كلَّ لقاءٍ بعدَها لقاءً. أكملتَ قصتَكَ بي، فاكتملتُ أنا بغيابِك. لا تبحثْ عني. أنا حيثُ الكتابةُ تبدأ.”
طوى الورقةَ ووضعَها في كراستِه. أغلقَ القلمَ.
ولأولِ مرةٍ منذُ سنوات، غادرَ النيلَ قبلَ الغروب.