الكاتب الصحفي محمد العزيزي يكتب: بين شرعية المقاومة.. وحسابات الدولة الوطنية 

الكاتب الصحفي محمد العزيزي
 ماذا لو افترضنا – ولو على سبيل الجدل السياسي – أن حركات مثل حزب الله في لبنان، وحماس في غزة، وأنصار الله في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، ليست تنظيمات تتحرك وفق حسابات إقليمية أو تتلقى توجيهات من الخارج ، وإنما قوى مقاومة وطنية خالصة نشأت بهدف الدفاع عن الأرض ورد العدوان وحماية الأمن القومي لأوطانها؟
إذا تعاملنا مع هذا الافتراض بجدية فإن سؤالًا مهمًا يفرض نفسه: ماذا حققت هذه التجارب فعليًا لأوطانها وقضاياها الوطنية بعد سنوات طويلة من الصراع والمواجهات العسكرية المفتوحة؟
في البداية حتي يكون الطرح واضحا لا لبس فيه ولا تأويل خارج السياق فإنه من حيث المبدأ لا خلاف على أن المقاومة حق مشروع، فكل أرض محتلة تنتج بطبيعتها مقاومة، وكل شعب يشعر بالخطر على وجوده أو سيادته يبحث عن وسائل للدفاع عن نفسه..
 هذه قاعدة تاريخية وبديهية وسياسية لا يمكن القفز فوقها أو إنكارها، لكن القضية الأكثر أهمية لا تتعلق بشرعية المقاومة نفسها وإنما تتعلق بطريقة إدارتها للصراع وحجم المكاسب التي تحققها مقارنة بالخسائر التي تترتب عليها، ومدى قدرتها على حماية الإنسان والأرض والدولة معًا..
في الحالة الفلسطينية تبدو الصورة مؤلمة ومعقدة في الوقت نفسه ، فبعد سنوات طويلة من المواجهة ومع الحرب المدمرة التي تعرض لها قطاع غزة تغيرت طبيعة المشهد بشكل لافت !
لسنوات طويلة كانت القضية الفلسطينية تُطرح باعتبارها قضية تحرر وطني وصراعًا عربيًا إسرائيليًا يخص المنطقة بأكملها ، لكن الواقع الحالي دفع المشهد – ولو مؤقتًا – إلى زاوية أكثر ضيقًا حيث تركز الاهتمام الدولي والإقليمي على الحرب في غزة وحدها وما خلفته من دمار واسع وخسائر إنسانية هائلة !
هنا لا يتعلق الأمر بإدانة خيار المقاومة أو نزع الشرعية عنه وإنما بمحاولة فهم النتائج ..  ماذا كسبت الأرض الفلسطينية حتى الآن؟ وهل استطاعت أدوات الصراع الحالية أن تقرب الفلسطينيين من أهدافهم السياسية؟ أم أن المشهد أصبح أكثر تعقيدًا مع استمرار الحرب وتراجع فرص التسوية وغياب أفق واضح لما بعد الدمار؟
وفي لبنان لا تبدو الصورة أقل تعقيدًا، فالمواجهة الممتدة على الحدود الجنوبية وضعت الدولة اللبنانية أمام تحديات قاسية.. صحيح أن فكرة الردع كانت لسنوات جزءًا أساسيًا من الخطاب السياسي والأمني، لكن السنوات الأخيرة طرحت أسئلة صعبة حول كلفة الصراع على الدولة اللبنانية نفسها وعلى قدرتها الاقتصادية والسيادية خصوصًا مع اتساع نطاق الاستهداف الإسرائيلي وتحول مناطق كاملة إلى ساحات حرب توتر دائم!
الأمر نفسه ينطبق – بدرجات مختلفة – على اليمن، الذي دفع ثمنًا باهظًا لحروب ممتدة تجاوزت عقدًا كاملًا، واليوم يواجه اليمن واقعًا شديد الصعوبة: مؤسسات دولة ضعيفة.. سلطات متداخلة.. أزمات اقتصادية وإنسانية عميقة.. وتساؤلات متزايدة حول قدرة الدولة الوطنية على استعادة تماسكها في المستقبل .
هنا يصبح السؤال أكثر أهمية من أي شعارات عاطفية أو خطابات خشبية : ما هي المقاومة التي تحقق أهدافها الوطنية فعلًا؟ وهل يكفي استمرار الاشتباك مع الخصم كي نعتبر أن المشروع نجح؟ أم أن النجاح الحقيقي لأي حركة مقاومة يجب أن يقاس بقدرتها على حماية الأرض، وتقليل الخسائر الإنسانية، والحفاظ على تماسك الدولة الوطنية ومنع انهيارها؟
مراجعة التجارب لا تعني أبدًا التخلي عن الحقوق أو الانحياز لرواية الخصم، لكنها تعني ممارسة قدر من الشجاعة الفكرية والسياسية في تقييم النتائج !
فالقضايا العادلة لا تنتصر فقط بالنوايا الحسنة أو الخطابات الحماسية، وإنما تحتاج أيضًا إلى استراتيجيات دقيقة ، وإلى قراءة واقعية لموازين القوة، وإدارة ذكية للصراع تحافظ على القضية من الاستنزاف وتحمي الأوطان من دفع أثمان يصعب تعويضها!
ويبقى أمر أساسي لا ينبغي الالتفاف حوله: الاحتلال الإسرائيلي وسياساته التوسعية يظل عاملًا رئيسيًا في إنتاج عدم الاستقرار في المنطقة، كما أن استمرار الاحتلال يعني استمرار أسباب الغضب والمواجهة.
لكن أحد أخطر الأخطاء الاستراتيجية التي وقعت فيها بعض دول المنطقة خلال العقود الأخيرة يتمثل في غياب رؤية موحدة لتعريف العدو، وتحديد طبيعة التهديدات ، وترتيب الأولويات بما يسمح للمنطقة بأن تدخل في دوائر استنزاف متكررة، بينما يظل المشروع الأكثر تنظيمًا وقدرة على فرض وقائعه على الأرض هو الطرف الأكثر استفادة من هذا التآكل المستمر!
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.