بعد إعادة تقديم لحن لبليغ حمدي..على رمش عيونها..كلمات حسين السيد ولحن بليغ حمدى وغناء وديع الصافى..
كثيرًا ما يثار الجدل حول الأعمال الفنية التراثية بين من يدعو إلى الحفاظ عليها كما هي، ومن يرى أن من حق الأجيال الجديدة إعادة تقديمها برؤى مختلفة. والحقيقة أن القضية ليست صراعًا بين الماضي والحاضر، بقدر ما هي سؤال عن طبيعة العلاقة التي تربطنا بتراثنا.
أنا لا أرفض التجديد من حيث المبدأ، ولا أرى أن التراث يجب أن يتحول إلى قطعة جامدة داخل متحف لا يقترب منها أحد. لكنني أؤمن بأن التراث يشبه إرثًا عائليًا عزيزًا .. وقيمة هذا الإرث لا تكمن فقط في وجوده، بل في معرفة من يتعامل معه وكيف يتعامل معه.
تخيل أن لديك مكتبة قديمة ورثتها عن جدك، مليئة بالكتب والذكريات والهوامش التي تحمل بصمته. هل يمكن أن تهديها لأي شخص لا تعرفه؟ أم أنك ستفضل أن تنتقل إلى شخص قريب منك، يفهم قيمتها ويحبها ويقدرها ويحافظ على روحها؟ غالبًا سيكون الاختيار الثاني هو الأقرب إلى القلب.
وهكذا أرى التراث الفني. فهو ليس ملكًا لجيل بعينه، لكنه يحتاج إلى من يحبه ويحترمه ويتحاور معه قبل أن يعيد تقديمه. فالتجديد الحقيقي لا يبدأ من الرغبة في الاختلاف، بل من فهم عميق للأصل وإدراك أسباب جماله وتأثيره.
التراث ليس نصًا مقدسًا يُمنع الاقتراب منه، لكنه أيضًا ليس مادة خامًا يمكن تشكيلها بلا ضوابط أو حساسية. وبين الجمود الكامل والانفلات الكامل توجد منطقة وسطى، يكون فيها الفنان قادرًا على الإضافة دون أن يفقد العمل هويته أو روحه.
إن نجاح أي معالجة جديدة لعمل تراثي لا يرتبط فقط بمدى جرأتها أو حداثتها، بل بمدى احترامها للروح التي صنعت هذا العمل وجعلته يعيش في وجدان الناس لعقود طويلة. فالتراث في النهاية ليس مجرد ألحان أو كلمات أو لوحات، بل ذاكرة جماعية وشعور إنساني متراكم عبر الزمن.
نحن من نعطي التراث الحلاوة التي يستحقها عندما نحبه ونفهمه ونتحاور معه. وعندها فقط يصبح التجديد امتدادًا طبيعيًا للأصل، لا قطيعة معه، وحوارًا بين الأجيال.