الكاتب الصحفي عبدالرازق توفيق يكتب : ترامب بين الضغوط والفشل

انتهت الحرب، وتوقف القصف ومازالت الأزمة وتداعياتها مستمرة، فلا حرب ولا سلم بين واشنطن وطهران، وعدم حسم الصراع يظل يسبب ألمًا شديدًا على الاقتصاد العالمي، ومعاناة الشعوب، فمضيق هرمز مازال فى قبضة الإيرانيين، والوقت فى صالحهم لزرع المزيد من الألغام البحرية وأسعار برميل النفط مرشحة لمزيد من الارتفاع والأمريكان يحاولون الظهور بصورة البطل ووجدوا فى الحصار البحرى فرصة ثمينة للهروب من الحرب المرفوضة من الداخل الأمريكية والتى تلقى بتأثيراتها على شعبية الرئيس دونالد ترامب، وأيضا مستقبل وفرص الحزب الجمهورى فى انتخابات التجديد النصفى فى نوفمبر القادم.
أغرب وأخطر ما يمكن رصده لتأثيرات الحرب هو أن الكثير من الأمريكيين وضعوا أيديهم على الخطاب المتناقض للرئيس ترامب وإدارته، وتحديدًا وزير دفاعه الذى يتحدث وكأنه حقق انتصارًا كاسحًا على إيران ناهيك عن الأرقام والاحصائيات والنسب التى يطل بها على الرأى العام الأمريكى بأنه حطم القدرات العسكرية الإيرانية، ودمر القوات البحرية ومنظومات الدفاع الجوي، والقدرات الصاروخية وقواعد انتاجها، إذن وحسب تصريحات ترامب أن إيران انتهت والسؤال هنا، فإذا كانت إيران انتهت ودمرت، وأن الجيش الأمريكى سحق إيران لماذا يخشى ترامب الحرب؟ أو الدخول والهجوم البري؟ ولماذا لجأ إلى الحصار البحري؟ ولماذا مازال مضيق هرمز فى قبضة الإيرانيين؟ لا تستطيع القوات الأمريكية الاقتراب منه؟ ولماذا ابتعدت حاملات الطائرات الأمريكية والمدمرات إلى مسافات يعتقد الأمريكيون أنها خارج نطاق الاستهداف الإيراني؟ ولماذا يخرج علينا المستشار الألمانى الذى يدخل فى مواجهة ساخنة مع الرئيس ترامب ويقول إن المفاوضين الإيرانيين تعمدوا إذلال الأمريكان؟ وأنه لا توجد رؤية أو خطة أمريكية فى الحرب ضد إيران؟
خطاب ترامب ووزير دفاعه المتناقض حول الحديث عن واقع غير موجود حتى أن إحدى عضوات الكونجرس من الديمقراطيين، استلمت وزير الدفاع الأمريكى وجعلته عاجزًا عن الرد عندما طرحت العديد من التساؤلات قلتم أنكم قضيتم على النظام الإيرانى ومازال موجودًا ولم يسقط، وقلتم أنكم دمرتم البرنامج النووى الإيرانى فى حرب الـ12 يومًا قبل أشهر ولم يحدث وبالدليل أنكم دخلتم حربًا جديدة وقلتم أنكم ستدمرون البرنامج الصاروخي، وإيران تطلق مئات الصواريخ المدمرة وقلتم ستفتحون مضيق هرمز ومازال تحت السيطرة الإيرانية الكاملة، وكل ما استطاع وزير الحرب قوله لعضوة الكونجرس هل كنت تستطعين قول ذلك للرئيس جون بايدن؟
التصريحات المتناقضة المنفصلة عن واقع الأحداث وما يجرى على الأرض أهم عناوين خطاب الإدارة الأمريكية خلال الحرب ضد إيران ونسمع تصريحات نتعجب منها والبعض الآخر يسخرون وحتى الأمريكان أنفسهم يضربون كفًا بكف فلا نظام إيرانيًا سقط، ولا برنامجًا نوويًا إيرانيًا دمر، ولا مضيقًا فتح، حتى أن الرئيس ترامب بدأ يتحدث عن إسقاط النظام الإيرانى بأسلوب يدعو للسخرية أيضا، يقول إن هناك تغييرًا حقيقيًا للنظام الإيرانى باغتيال 3 أجيال من القيادات والرموز الإيرانية ولو مبتديء سياسة يرد عليه إذا كنت نجحت فى اغتيال عشرات القيادات الإيرانية بداية من المرشد الأعلى على خامينيء إلا أن فكر وفلسفة ومباديء وكراهية وعداء النظام لأمريكا مازال قائمًا لم يتراجع ولم يتزحزح فى ظنى أن ترامب يحاول بأى صورة حتى لو بدت مهترئة وفاضحة البحث عن خروج من المأزق الإيرانى فى حرب جاءت بحسابات وتقديرات كارثية وليست خاطئة وعدم تشخيص دقيق لقدرات إيران أو فهم للشعب الإيرانى وأيضا اخطاء فى معرفة أطراف المشهد الإقليمى والدولي، والمستفيدين من تورط أمريكا والداعمين لإيران، للدرجة التى وصلت فيها واشنطن أنه لم يعد لديها أوراق للمناورة سوى سلاح الحصار البحرى وهناك شكوك فى نجاحه وجدواه حتى وان أعلن البعض أن خسائر إيران بلغت 418 مليار دولار حتى الآن، لكن ربما لا ينجح الحصار فى إحكام السيطرة وأن تستطيع تحويله إلى منحه وفرصة وقدرة على التعايش معه وبطبيعة الحال فإنه ليس جديدًا عليها كما أن طول وقت الحصار البحرى ليس فى صالح ومصلحة أمريكا، وأن إعلانها تخفيض القوات وسحب الكثير منها من المنطقة يتسق مع عدم القدرة على إحكام السيطرة على حصار إيران كما أن اغلاق مضيق هرمز، لا يؤلم دول وشعوب المنطقة والعالم فحسب بل تتعالى صراخات ومعاناة الشعب الأمريكى من ارتفاع أسعار المحروقات كما أن الأصوات فى الحزب الجمهورى بدت فى حالة قلق شديد من تنامى الرأى العام الأمريكى المعارض للحزب وأنها لا تخدم المصالح الأمريكية وبالتالى فإن فرص فوز الجمهوريين واحتفاظهم بالأغلبية تتراجع بل هناك تشاؤم لذلك فإن الضغوط تحاصر ترامب سواء فى الداخل أو اقتراب الانتخابات أو الفشل فى الحسم، أو تداعيات مضيق هرمز أو قلق وانزعاج الحلفاء ومراجعتهم للحماية الأمريكية، لذلك أقول إن أمريكا خسرت الكثير على المستوى العسكرى والداخل الأمريكى بالنسبة للجمهوريين وأيضا حالة التوجس والريبة وضعف الثقة لدى الحلفاء فى الشريك الأمريكى بعد الإضرار الجسيمة والتكلفة الباهظة والخسائر الفادحة التى لحقت بهم، وأيضا عدم قدرة منظومة الحماية الأمريكية على الوفاء بوعود سابقة، بل وتلاشى أسباب التواجد الأمريكي.
الحرب الأمريكية ضد إيران تعيد تشكيل المنطقة لكن ليس لصالح الأمريكان أو حليفتهم إسرائيل وأن الحصار البحرى الأمريكى هو سيناريو للخروج الصامت من المأزق وبحث عن وسيلة للهروب من المأزق لذلك أقول بعيدًا عن حسابات العواطف أو الانتماءات ولكن للنظرة الإستراتيجية للإقليم أن سقوط إيران كان سيحدث كارثة إستراتيجية على المنطقة ويعنى تحقيق أهداف «صهيو ــ أمريكية» لن ترحم الحليف والعدو وأيضا تحقيق هدف إعادة تشكيل المنطقة، ليس سقوط إيران فحسب ولكن نحن ضد أى قوة إقليمية، لأن ذلك يعنى ببساطة نجاح للأوهام الصهيونية، ونشر للفوضى وتنامى ظاهرة الإرهاب والكيانات الموازية ونحن مع احترام سيادة الدول وعدم التدخل فى شئونها الداخلية أو انتهاك سيادتها، ورفض أى عدوان من أى دولة فى المنطقة ضد أخرى لذلك فإن جريمة إيران هى الاعتداء على الدول الشقيقة فى الخليج.. ربما يكون إعلان ترامب بأن الحرب على إيران انتهت وابلاغ الكونجرس بذلك بعد انتهاء مهلة الـ60 يومًا قد يكون مناورة وإن كنت لا أرى ذلك خاصة أن خيار الحرب ليس فى صالح أمريكا ليس من الناحية العسكرية ولكن فى تداعياتها وآثارها على الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب، لذلك فإن عدم حسم الصراع هو الحفاظ على الوجه الأمريكى المشوه ومزيد من الآلام على دول وشــعوب المنطـــقة والعـالم الذى يدفع فواتير تهور وانســـياق ترامـب وإدارته لأوهام الكيان الصهيونى بقيادة نتنياهو..