محمد يوسف العزيزي يكتب : فوضى الصحة.. من يحاسب تجار الوهم؟

الكاتب الصحفي محمد العزيزي
 لم يعد ما يدور على منصات التواصل الاجتماعي وعلى بعض الشاشات، ومن إعلاميين يبحثون عن الترند والمشاهدة أكثر من البحث عن الحقيقة مجرد جدل صحي أو خلاف في وجهات النظر حول حقيقة ثابتة.. بل تحول إلى تهديد مباشر يمس حياة الناس، ولم تعد المسألة رأياً مقابل رأي، بل أصبحت دعوات صريحة للتخلي عن العلاج الطبي واستبداله بوصفات غذائية أو تجارب شخصية بلا أي أساس علمي!  هذا التحول اللافت لا يمكن اعتباره حرية تعبير لأنه يضع صحة الإنسان في دائرة خطر مؤكد .
والمشكلة لا تتوقف عند حدود “ النصيحة ”، بل تتجاوزها إلى ما هو أخطر: تسويق مباشر لأدوية ومكملات ومنتجات طبية دون أي رقابة حقيقية ومئات الإعلانات تنتشر يومياً عبر حسابات لأطباء وصيادلة ومؤثرين، تدفع المشاهد لاستخدام دواء بعينه أو منتج محدد دون فحص أو تشخيص أو حتى استشارة متخصصة !
هنا يتحول الدواء من وسيلة علاج إلى سلعة دعائية ، ويصبح المريض مستهلكاً يتلقى “روشتة”  عبر فيديو لا يتجاوز دقيقة .
هذه الظاهرة لا تقل خطورة عن الدعوات لترك العلاج ، بل قد تكون أكثر تأثيراً لأن الإقناع يأتي هذه المرة في صورة إعلان جذاب مدعوم بلغة علمية ظاهرية ، وأحياناً بملابس “المهنة” التي تمنح المشاهد والمتابع ثقة زائفة فيغيب السؤال البديهي : هل هذا الدواء مناسب لكل الحالات ؟ ما آثاره الجانبية ؟ وهل يصلح دون إشراف طبي ؟
نماذج الخطر هنا واضحة ومقلقة .. استخدام عشوائي للمضادات الحيوية بناءً على توصيات إلكترونية وانتشار مكملات غذائية يتم تسويقها كحل سحري لكل شيء ، رغم أنها قد تتعارض مع أدوية أخرى أو تسبب مضاعفات خطيرة .. بل إن بعض المرضى يؤجلون زيارة الطبيب، مكتفين بما شاهدوه من إعلانات حتى تتفاقم حالاتهم
وبالتوازي مع ذلك، تستمر موجة التشكيك في الطب والعلاج الدوائي في مشهد عبثي يجمع بين النقيضين: هجوم على الدواء من جهة وتسويق عشوائي له من جهة أخرى. والضحية في الحالتين واحدة : وعي الإنسان وصحته .
ما يزيد الأمر تعقيداً هو أن هذا المحتوى لا يصدر فقط عن غير المتخصصين، بل يشارك فيه أحياناً من ينتمون للمهن الطبية أو من يقدمون أنفسهم كذلك ، ومع غياب رقابة حقيقية على هذا الفضاء المفتوح، تختلط المهنية بالدعاية، وتضيع الحدود بين العلم والتجارة .
لا يمكن ترك هذا الملف مفتوحاً بهذا الشكل دون مراجعة ، والمطلوب ليس تقييد الرأي .. بل تنظيم ما يتعلق بصحة الإنسان، ووضع ضوابط واضحة للإعلانات الطبية، ومحاسبة كل من يروج لاستخدام دواء دون سند علمي أو إشراف مهني. كما يحتاج الأمر إلى حضور أقوى للمؤسسات الصحية، لتقديم محتوى موثوق يصل إلى الناس بنفس أدوات التأثير.
المعركة لم تعد بين الدواء والغذاء بل بين العلم والفوضى، وبين المسؤولية والتربح. وإذا استمرت هذه الحالة دون مواجهة حقيقية، فإن الخسارة لن تقاس بعدد المشاهدات، بل بعدد من دفعوا ثمن “نصيحة” أو “إعلان” لم يدركوا خطورته إلا بعد فوات الأوان !
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.