في السياسة الأمريكية لا تمر الوقائع دون تفسير، ولا تُطرح الأسئلة عبثًا.. فمع تصاعد الجدل حول ما يتعرض له ترامب من محاولات اغتيال لم يعد النقاش يدور فقط حول طبيعة التهديد الذي يتعرض له.. بل امتد ليطرح سيل من الأسئلة الأكثر تعقيدًا: هل نحن أمام خطر أمني حقيقي يتعرض له رئيس أكبر وأقوي دولة في العالم.. أم أمام توظيف سياسي لأحداث تتم صياغتها بما يخدم معركة استعادة الشعبية التي تتآكل كل يوم خصوصا مع اقتراب موعد التجديد النصفي للكونجرس ؟
منذ عاد ترامب إلى المشهد الرئاسي وهو يقدّم خطابًا يثير الجدل أكثر مما يقدّم اليقين. فعلى سبيل المثال، أعلن أكثر من مرة أنه “نجح في إنهاء صراعات دولية كبرى” أو “أوقف حروبًا قبل أن تتصاعد”، بينما يقول الوقائع على الأرض أن هذه الأزمات إما لم تكن بالحجم الذي صوّره، أو أنها استمرت في الاشتعال بأشكال مختلفة !
كذلك خرج بتصريحات حاسمة حول سياسات اقتصادية أو خارجية ثم عاد لاحقًا ليتراجع عنها أو يدخل عليها تعديلات دون تقديم تفسير مقنع ، وهو ما فتح الباب أمام انتقادات تتهمه بالتناقض وغياب الرؤية والمزاجية!
وهذا الأمر لم يتوقف عند حدود السياسات بل امتد إلى طريقة إدارة العلاقات الدولية حيث وجّه ترامب انتقادات علنية وحادة لحلفاء تقليديين للولايات المتحدة .. بل وصل به الأمر في بعض اللقاءات إلى استخدام لغة اعتبرها مراقبون غير مألوفة في الأعراف الدبلوماسية وفي الوقت ذاته قدّم دعمًا واسعًا لإسرائيل في تحركاتها العسكرية مما أكد الانطباع لدى قطاعات واسعة بأن السياسة الأمريكية فقدت توازنها التقليدي!
في هذا الوضع المضطرب جاءت الأنباء المتداولة حول محاولات اغتياله لتضيف فصلا جديدا من الغموض حيث لم تكتفِ
وسائل الإعلام بنقل الحدث بل تداولت أيضًا مقطعًا منسوبًا إلى متحدثة البيت الأبيض، أشارت فيه – قبل أحد اللقاءات
– إلى أن الحضور “ قد يسمعون أصوات إطلاق نار” وهو تصريح أثار دهشة واسعة عندما تزامن مع وقوع الحادث
بالفعل!
هذا التزامن دفع كثيرين على منصات التواصل إلى طرح تساؤلات حادة.. ليس حول الواقعة فقط،.. بل حول طريقة
إدارتها إعلاميًا
وهنا لا يمكن تجاهل حقيقة أن القانون الأمريكي يتعامل بصرامة مع مسألة الكذب في الشأن العام خاصة عندما
يرتبط بأداء اليمين.. فقد شهد التاريخ السياسي الأمريكي حالات خضع فيها رؤساء للمساءلة بسبب تصريحات مضللة
بما يعكس حساسية المجتمع تجاه مصداقية القيادة.. لكن في المقابل يبدو أن المشهد الحالي أكثر غموضا إذ لم تعد
الحقائق وحدها هي التي تشكّل الرأي العام.. بل أصبحت الروايات هي التي تلعب الدور الأكبر في توجيه إدراك
الجماهير!
وداخليًا يتزامن هذا الجدل مع تصاعد غير مسبوق في الخلافات بين الإدارة الفيدرالية وبعض حكام الولايات الكبرى،
الذين يعلنون رفضهم لعدد من سياسات ترامب بشكل مباشر. هذا الانقسام لا يعكس مجرد اختلاف في وجهات
النظر، بل يشير إلى حالة استقطاب عميقة قد تمتد آثارها إلى بنية النظام السياسي نفسه، وهنا يكمن الخطر!
في النهاية، قد لا يكون الحسم ممكنًا الآن فيما يتعلق بحقيقة ما جرى، لكن المؤكد أن مجرد طرح هذا السؤال بهذا
الزخم يكشف حجم أزمة الثقة التي يعيشها الداخل الأمريكي، فحين يصبح كل حدث محل تشكيك، وكل تصريح قابلًا
للتأويل ندرك أن المشكلة لم تعد في واقعة بعينها بل في مناخ سياسي يسمح بتضخم الشكوك وتآكل اليقين!
الأيام القادمة وحدها كفيلة بكشف التفاصيل لكنها قد تكشف ما هو أبعد من ذلك: هل تمر الولايات المتحدة بمرحلة
اضطراب عابرة، أم أن ما نشهده اليوم يمثل بداية تحول أعمق قد يعيد رسم ملامح القوة الأمريكية وموقعها في