“وأدليت ببيان أمام الكنيست يوم 23 أكتوبر عن وقف اطلاق النار” وتستطرد:”حاولت أن أقنع الاسرائيليين أننا لم نقبله لضعف عسكرى” وهكذا تستمر جولدا فى أمرين تجيدهما باحتراف، وهما: الأول: أنها تعتمد على الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتى فى التوسط لدى المصريين لقبول وقف اطلاق النار حماية لأرواح جنود جيش الإحتلال من قتل المصريين لهم أو آسرهم، والأمر الثانى:وهوأ أنها تستهوى ـ لحد العشق ـ الكذب على شعبها، فكانت تجتهد دائما أمامهم للحفاظ على الصورة الذهنية ـ الكاذبة ـ عن جندى جيش الدفاع الذى لا يقهر، وهى فى الحقيقة كانت تتسول من الدول الكبرى فرصة الحياة لهؤلاء الجنود أمام الجيش المصرى.
وقبل القاء حولدا لبيان وقف اطلاق النار أمام الكنيست، كانت قد مهدت له فى مؤتمر صحفى عقدته فى 13 أكتوبر، وعندما سألها أحد الصحفيين عما إذا كانت ستوافق على وقف اطلاق النار، فقالت:”لا فائدة من التكهن بما قد تقبله اسرائيل أو ترفضه، طالما لم يبد جيراننا فى الشمال أو فى الجنوب أية رغبة فى وقف اطلاق النار”.. وللقارىء ـ المتفحص ـ أن يعيد قراءة أعتراف جولدا حول ردها فى المؤتمر الصحفى، فهى منذ نهاية الأسبوع الأول من الحرب فى 13 أكتوبر مازالت تسعى بحد وكد فى وقف الحرب، التى كبدتها خسائر عسكرية فى الأرواح والمعدات، ولا شك خسائر سياسية إقليميا وعالميا، بل واقتصادية بمئات الملايين من الشيكل، والأدهى هو خسارنها بهدم الصورة الذهنية لدى شعبها وحلفائها الأمريكان بل والعالم أجمع عن أسطورة الجندى الذى لا يقهر، فقد كان حاله ـ المفضوح ـ أمام العالم، منهزم، مقتول، أسير، مريض نفسيا(!) فهى كانت تضع إجابتها عن قبول وقف اطلاق النار تبعا لإرادة المصريين، هل يوافقون على طلبها هذا أم يستمرون فى القتال ضدهم.
وتبرهن على هذا الحال فى اعترافها:”..لكن موقف السادات كان بالطبع أقوى منا” وربما تملكت حالات الصدق جولدا
فى اعترافاتها فى فصل “الهزيمة” بكتابها “حياتى” ربما لأنها تريد أن تكون صريحة مع الأجيال التالية عليها لتوضح لهم
أسباب هزيمة الكيان الاسرائيلى من المصريين، وربما أيضا لتبيض صفحتها وتبرىء ساحتها السياسية أمام هزيمة
العسكريين النكراء، وتعترف بقدرة المصريين ورئيسهم التى فاقت قدرة جيش الدفاع وجولدا فى السيطرة على
مجريات الأمور، فالمصريين وحدهم أصحاب الفعل والقول الفصل فى وقف اطلاق النار، وعلى جولدا وجيشها الانصياع
وراء الارادة المصرية، هى من قالت ـ صراحة ـ وأكرر اعترافها:”لا فائدة من التكهن بما تقبله اسرائيل أو ترفضه”.. هذا
الاعتراف يشنف الآذان ترديده، ويتردد صداه ليس فى الأسماع لدى الصحفيين الصهاينة بل فى ساحات التاريخ
الفاصلة والعادلة، هذه جولدا التى تريد وقف اطلاق النار وتحث الأمريكان والروس على ذلك ولا تسطيع التنبوء بفعل
قادم بل سيكون رد فعل تالى لما يفعله المصريون بالاسرائيليين!.. حتى إنها كانت تستجدى وقف اطلاق النار من
جانب المصريين، وتقول:”ومع أن المصريين أعلنوا قبوله، فإنهم لم يتوقفوا عن اطلاق النار يوم 22 أكتوبر، واستمر
القتال”.
ويبقى فى هذه الصورة ملمح واجب الإلتفات إليه بتأن، وهو اعتراف جولدا بفاعلية سلاح النفط العربى الذى ساند
القرار المصرى وآثر على القرار العالمى مما أفقد اسرائيل (دلالها) لدى الأمريكان، وتقول:”صحيح أننى لم استخف
بحظر تصدير النفط الذى استعملته السعودية وليبيا والكويت وغيرها ضد العالم، لكنه كان واجبا أن نضع حدودا معينة
لتصرفاتنا”.. فهى تعترف بقدرة سلاح النفط فى التأثير على حليفتها الكبرى “امريكا” وتزيد من مرارة الاعتراف:” لنكن
صرحاء، قمصير الدول الصغيرة يعتمد فى النهاية على القوى العظمى التى دائما ما يكون لها مصالح تريد حمايتها”.
والكثير من مرارة الإعتراف سيأتى ذكره تاليًا إن شاء الله