عبد الناصر البنا يكتب : مجانين السيارات الكلاسيك !!

عبد الناصر البنا
بداية أنا لا أقصد ب”الجنون ” هنا هو ذلك الذى يغيب الوعى والإدراك ويفسد العقل ويؤدى إلى زواله ، وإنما قصدت أعلى درجات الحب الذى يبدأ بـ “الهوى” ، ويتصاعد لـ ” الشغف ، الوجد ، العشق ، الغرام ، وينتهي بـ “الهيام” !!
وهذا هو المعنى الذى أقصده .
والحقيقة .. أنى لم أكن أتصور أن أكتب فى يوم من الأيام عن هذا ” الهيام” بالسيارات الكلاسيك ، ولكن بعد أن أصبح إبنى واحدا من كبار المؤرخين لهذا النوع من السيارات ، وهو ما جعلنى أعيش بالقرب من هذا العالم ، قررت أن أخوض غمار الكتابه فيه ، وأن أطلق على محبى السيارات الكلاسيك لقب ” مجانين” !!
لعل السؤال الذى يتبادر إلى الذهن بداية : متى نقول على السيارة أنها سيارة كلاسيك ؟
السيارات الكلاسيك ” Classic Cars ” هى السيارات القديمة النادرة التى يقتنيها الهواة بشرط أن تكون على حالتها الأصلية وقت خروجها من المصنع ، أضافة إلى قيمتها كونها تحفة فنية نادرة ، وهنا يكمن سر تميزها ك” موديل وحالة ” . وأحيانا قد يرى البعض أن ندرتها فى كونها ” One Of One ” كونها سيارة وحيدة وفريدة من نوعها ؛ وتم تصنيعها بناءا على طلب خاص من مالكها بمواصفات خاصه ، كما كان يفعل الملك فاروق مع مصنعى السيارات ” الرولز رويس ــ والكاديلاك .. وغيرها ” ، وهنا يجب التنويه إلى أن جلالته كان من كبار مقتنى السيارات الكلاسيك فى العالم أو مايطلق عليهم الـ ” Collector ” .
وتكون السيارة أيضا سيارة كلاسيك نادرة إذا كانت ذات إصدار محدود أى المًصنع منها عدد قليل جدا اى ” Limited Edition ” أو أن المتبقى منها فى العالم عدد قليل جدا ، وأضف إلى كل ماسبق قيمتها التاريخيـــة ، وتسلسل ملكيتها لأن هناك سيارات تكمن قيمتها أو يرتفع سعرها إذا كان أول مالك لها من الوجهاء من الباشوات أو من طبقة النبلاء من الملوك والأمراء ، ورؤساء الدول والزعماء أو من الشخصيات العامة والفنانين ، ولابد أن أشير إلى أن الرئيس السادات ” رحمه الله ” كان من محبى هذا النوع من السيارات ويمكنك أن تطلق عليه أيضا لقب ” Collector ” إضافة إلى عائلات بعينها فى المجتمع المصرى .
وهنا أيضا لابد أن أشير أيضا إلى أن مصر لها تاريخ طويل وماضى عريق فى صناعة السيارات ، ويكفى أن أول سيارة دخلت مصر كانت فى عام 1890م . وتأسس نادى السيارات المصرى عام 1905م وأغلق بسبب الحرب العالمية الأولى ؛ ثم إفتتح عام 1924م ، وهو مستمر حتى الآن وإحتفل منذ أيام بمرور 102 عاما على تأسيسه . أما صناعة السيارات فى مصر يمكن الحديث عنها قبل 1952م ويعدها ، قبل عام 1952م بدأت شركة ( جينرال موتورز الشرق الأدنى ــ ” الشرق الأوسط ” ) ، فى إفتتاح مصنع لها فى مدينة الأسكندرية عام 1936م لـ تجميع الأتوبيسات والسيارات اللورى ، وفى عام 1950م أعلنت شركة ” فورد موتورز كومبانى” عن إفتتاح أول خط إنتاج لها فى مصر ، وإستمرت هذه الشركات فى الانتاج حتى جاء العدوان الثلاثى على مصر عام 1956م ، وبعدها تم تأميم توكيل فورد عام 1961م ، فى هذه الفترة كانت أغلب شركات السيارات العالمية الكبرى لها توكيلات فى مصر .
أما بداية مشروع إنتاج سيارة مصرية بدأ بعد عام 1952 م مع السيارة ” رمسيس ” على يد الإنجليزى ” ريموند فلاور “
مالك شركة ” كايرو موتورز كومبانى ليميتد ” الذى كان يمتلك توكيل ” رولز رويس ــ وبينتلى ــ وإم جى .. وغيرها ” ،
ثم جاءت فكرة إنشاء شركة النصر لصناعة لسيارات عام 1958م ، وبالفعل بدأت الشركة فى الإنتاج فى منطقة وادى
حوف بحلوان عام 1960م تزامنا مع مشروع “من الإبرة للصاروخ” شعار النهضة الصناعية الذى أطلقه الزعيم جمال عبد
الناصر في الستينيات .
ولذلك لاعجب أن يكون لـ مصر تراث غنى جدا جدا من السيارات الكلاسيك النادرة التى قل أن توجد فى أى دولة من
دول العالم ، وأن تسير فى شوارعها التاكسيات ماركة ” مرسيدس ــ وفيات 1100 المتطوره جدا “، وأن تكون بها طرق
أسفلت منذ بداية القرن العشرين ، وبدأت بطريق ” القاهرة ـ إسكندرية ” الزراعى ، وأن يكون بها إشارات مرورية
ولافتات وعلامات إرشادية للمرور ، والطريف أن تحصل الصعيدية بنت أبو تيج عباسية أحمد فرغلي فى عام 1920 م
على أول رخصة قيادة سيارة فى مصر ، وهى بذلك تعد رمزاً للريادة النسائية .
مصر اليوم بها عدد كبير جدا من الـ ” Collector ” أو مقتنى السيارات الكلاسيك وهؤلاء هم من صفوة أو ” كريمة “
المجتمع المصرى ، وقد آلت إليهم ملكية هذه السيارات بالوراثة أو عن طريق الشراء ، ويكفى أن أشير إلى أن سعر
السيارة الواحدة يتعدى الـ ” ملايين ” من الجنيهات ، وعلى الرغم من أن مصر بها عدد كبير جدا من السيارات النادرة
إلا أن هناك عدد كبير جدا جدا من تلك السيارات أمكن تهريبها إلى خارج مصر بحجة صيانتها ” ولاتعود ” ، وهنا لابد أن
أشير إلى ضرورة تفعيل القوانين التى تمنع خروج تلك السيارات لندرتها وتفردها ، مع العلم بأن هناك قانون يمنع
خروج السيارات التى مر على إنتاجها 50 سنة ، ولكنها للأسف تخرج بطرق غير مشروعة !!
والحقيقة .. أن سوق السيارات الكلاسيك المصرى سوق منغلق على نفسه ، أى أننا لانستورد سيارات كلاسيك من
خارج مصر ، وهنا نناشد الدولة المصرية ووزارة المالية ومصلحة الجمارك بضرورة تفعيل آلية لإستيراد السيارات
الكلاسيك من الخارج ، مع دفع جمارك بعدد السنين كما تفعل دول الجوار ” الأردن ــ المملكة العربية السعودية ـ وليبيا
” على سبيل المثال ، ولماذا لاتتبنى الدولة فكرة إقامة متحف قومى للسيارات الكلاسيك إلى جانب متحف سيارات
الرئاسة الموجود حاليا فى ” قصر القبة” و ” متحف المركبات الملكية ” فى حى بولاق ؟
فى إحتفال نادى السيارات والرحلات المصرى هذا العام بمرور 102 عام على تأسيسة ، كان هناك كرنفال من
السيارات الكلاسيك ضم أكثر من 50 سيارة كلاسيكية نادرة من طرازات عالمية عريقة ، إصطفت فى منطقة وسط
القاهرة وجابت شوارعها لتكشف عن أناقة ودقة التصميمات القديمة وعظمتها ، سيارات بتفاصيل لامعة ، تحمل روح
زمن بعيد ، تعود لتروى حكايتها من جديد . ولتجمع ملاك وعشاق هذا النوع من السيارات فى تجربة جمعت بين حب
السيارات القديمة وتوثيقها .
وأخيرا .. لهذا النوع من السيارات الكلاسيك مراكز صيانة متقدمة جدا ، تستخدم أحدث التقنيات الفنية الحديثة لعمل
Restoration ” ترميم ” لتلك السيارات وإعادتها إلى الحالة التى كانت عليها ، وهناك أسماء مصرية لامعــة جدا فى
هذا المجال ولهم شهرتهم التى تتعدى الإقليم .
وقد كان لى شرف تلقى أكثر من دعوة من أسرة السيارات الكلاسيك فى مصر لحضور تجمعاتهم الشهرية التى
يجتمعون فيها كأسرة واحدة فى تجربة كانت ثرية جدا وفريدة وملهمة بالنسبة لى !!
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.