الكاتب الصحفي يسري السيد يكتب : “تورتة الميلاد” المرّةً بانتظارِ يقينٍ لم يأتِ بعد”!!

الكاتب الصحفي يسري السيد

توقفت كثيرا امام الإحتفال بعيد الميلاد ، المعني والرمز والحكاية وتخيلتنى أتقدم بصحيفة دعوى امام محكمة “الصيرورة والزمن” …وتصدرت الوقائع عريضة الدعوي في مقدمتها إن العمر يسلبنا حلاوة الأيام ” ويتركنا لمواجهة “سُكّر” الحنين وضغط الماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد ثم يطلب منا جبرا الإحتفال بالسكين وهى تمزق رقبة عاما مضى وتهددنا بشروعها في وجوهنا إن لم نغن ” هابي بيرث داي ” ونشعل الشموع ثم نطفئها فى آن واحد .

نعم هذه القضية هي “قضية العمر المستمرة” الجريمة المستمرة ،وتشكيل أطرافها غير مسبوق ولا لاحق حيث القاضي والخصم والجلاد واحد هو الزمن نفسه..و في ساحة هذه المحكمة يقف المتهم وهو الروح وحيدا والوقت هو (يوم ميلادها) …والتهمة جاهزة : التشبث بملامح عمرٍ غابر، وعدم الاستعداد لزمنٍ يقتحم الوجود.

ولم تكن الدفوع في هذه الصحيفة بالأمر السهل ، لكن جاء ,برز فى المقدمة الدفع بالقوة القاهرة ليفند ” فلسفة الغياب”

• قلت بنبرات ضعيفة : سيدي القاضي ..أيها القدر..أقف أمامكم متمسكا بالدفع بوجود “قوة قاهرة” منعت المتهم أقصد “الروح “من الاستعداد لدخول عامِه الآتي… هذه القوة ليست زلزالاً ولا حرباً، بل أشد ، فالأماكن يمكن أن يعاد تعميرها ، والحجر يمكن أن يرمم ، لكن الفقد لا يعوض ومن يرحل لا يعود والنتيجة “خلوّ المكان” من رفقاء الرحلة والعمر …

وأرتفعت نبرة الأنين : و قانونا وعرفا ياسيدى القدر : لا يُسأل المرء عن “عجزِ الجاهزية” إذا كانت أدواته “الرفاق والأحباب ” قد صودرت منه بغير حق ، وكان الإختفاء النهائي هو المصير فكيف لنا ونحن “مُلقى بنا في هذا العالم”، وفي نفس الوقت يقدف بالمتهم ” الروح ” في عامه الجديد دون “ملامحه” التي تشكلت عبر سنواتٍ من الصداقة والحب في صورة أصدقاء وأحباب، فكيف يُحاكم الغريبُ على ضياعِ هويته؟

• ولم يقف الأمر عند هذا الحد سيدى القاضي ولكننا وجدنا أنفسنا أمام عقد إذعان جديد ووجع ومر لا مفر منه رغم حلاوته الظاهرة لأنه ببساطة يدفن المرارة في باطنه ، لذلك يكون دفعنا القانوني الثاني ببطلان “حلاوة الميلاد” ممثلة في “تورتة الميلاد” المنصوبة أمام المتهم اليوم و ليست إلا “عقد إذعان” يفرضه الزمن علي متهم أصابه ب”سُكّر الجسد ووهن الذاكرة” والجسد ؛ وهو مرضٌ كما تعلمون عضال ، لايجعل من حلاوة الأيام مرارا فحسب لكن خطراً يهدد استقرار قلبه وتدفقه ويدمر ما تبقي من الجسد العليل من آثار سهام الأيام .

لقد حول الزمان يا سيدى القاضي ” سُكّر الحلوى ” إلى مرارةِ فراق لا ينفع معها البرشام أو الإنسلوين ، بعد أن أصبح تناول “الفرح” خيانةً لمن رحلوا وفارقوا، المتهم هنا ياسيدى القاضى في حالة “ضرورة شرعية” تمنعه من الابتهاج، صوناً لوفائهِ للأحبة الذين خطفوا من جواره بلا ذنب جنوه ، ف”العمر الماضي” لم يكن مجرد زمن، بل كان “كياناً” سكنه المتهم مع أحبابه ، لتصحوا الروح فجأة لتجد نفسها وحيدة ومعرضة للطُرد منه بحكم بات ونهائي لايقبل النقض والإبرام :

يَا حَاكِمَ الـدَّهْرِ هَـذَا العُمْـرُ مَـظْلَمَةٌ

تَـقَـاضَتِ الـرُّوحُ فِـيـهِ مَـرَّ مَـا اقْتَرَفَا

أَتـيـتُ لِـلمِـيـلادِ مَـكـسُـوراً بِـلا رَفَـقٍ

كَـمَـنْ يـذُوقُ الـرَّدَى.. مِـنْ بَـعْدِ مَا عَرَفَا

مَـرِضْتُ بِالسُّكَّـرِ الوُجـدَانِ.. لَا طَمَـعاً

لَـكِـنْ لأنَّ الـهَـوَى فِـي أَضْلُـعِي جَـفَّـا

• وبناءً على ما تقدم يلتمس الدفاع

أصليا : براءة المتهم من تهمة “الحزن غير المبرر”، واعتباره حزناً مشروعاً وفقاً لقانون “حق الروح في الوفاء”.

وإحتياطيا إيقاف تنفيذ “العام الجديد” حتى يتمكن المتهم من لملمة شتات ملامحه التي تبعثرت برحيل الأصدقاء.

مع إلزام الزمن بتعويض المتهم عن “حلاوة التورتة” التي حُرِم منها للأبد، بمنحهِ “بنكرياسا جديدا “ينتج مايواجه ثقل المرارة التي في جوفه.

وأخيرا ياسيدي القاضي، إن السنين لا تُمحى بقرار، والوجوه التي شكلت أعمارنا هي “الحق الأصيل” الذي لا يسقط بالتقادم، نعم المتهم لا يرفض الزمن، لكن يرفض أن يمضي فيه “مبتورَ الملامح” بلا ذنب جناه لكن بقوة أكبر منه ..

“حين يغيب الأصدقاء والأحباب” ، يصبح قانون الإجراءات الجنائية عاجزاً عن حماية الشخص من ‘استدلال’ الذاكرة وقسوة تحقيقاتها.”

• يسأل القاضي : وبناء عليه ؟!

– أقول مع كل ما تقدم نعجز ياسيدي القاضي عن تقديم كل “الطلبات الختامية” لأن الجريمة أقصد “الفقد” ما زالت مستمرة و تقع كل ثانية ، والوقائع ” الأيام” تتجدد في كل ثانية، والمتهمون (الراحلون، ، والظروف) لم يمثلوا بعد أمام منصة الاعتراف…لذا، نحن أمام “مذكرة مفتوحة لجلسة مؤجلة”، تُترك أوراقها في مهبِّ الريح، بانتظار اكتمال الشهود ووقائع لم تنتهِ بعد

• يتململ القاضي قائلا : ولذلك ؟!

– أقول ستظل القضية قيد النظر وغير قابلة للشطب أو الإنقضاء

• يقول : لماذا ؟

– أقول : لأنَّ موازينَ العَدْلِ الوجوديِّ لا تزالُ في كفِّ الغيب وبناءً على ما تقدّم، ولإسباب كثيرة معروفة وغير معروفة نلتمس من عدالة المحكمة

* أولاً: استمرار الحالة تجعلنا لا نطلبُ حكماً فاصلاً، لأنَّ “المدعى عليه” (وهو الزمن) لا يزالُ هارباً من المواجهة، يسرقُ الملامحَ ويمضي، ولأنَّ “المتهمين” (الرفاق الذين تركونا في منتصف الطريق) لم يبرروا غيابهم بعد، ولم يتركوا لنا “توكيلاً” لإدارةِ الفراغ من بعدهم.

* ثانياً: الوقائع متجددة: فكيف ندخل لعام جديد وكلَّ صباحٍ فيه هو “واقعة جنائية” جديدة تُضاف إلى ملف القضية؛ ففي كل فجرٍ نكتشفُ فقدانَ أحبة وبترٍ جديدٍ من ملامحنا القديمة، وفي كل ” تورتة عيد ميلاد” نكتشفُ أنَّ سُكّر المرضِ قد تسللَ أكثر إلى مسامِ الروح. ويزداد عجز البنكرياس عن إنتاج الانسولين اللازم لمواجهة مرار السكر وحتي القليل منه الذي يفر منه تقاومه خلايا الجسد وتمنعه من الدخول لبنيانها ، ليظل المرار في صورة السكر نارا ووحشا يأكل كل ما يقابله من روح فى شتي أنحاء الجسد

* ثالثاً: نعم ستظل الجلسة مفتوحة ياسيادة القاضي و ستظلُّ هذه المذكرةُ بلا “طلبات ختامية”، فالقضيةُ أكبرُ من أن تُحسم بكلمة أو تنتهي الخصومة فيها بطلب أو تعويض لإنها ببساطة قضيةُ وجودٍ تحاول الروح أن تستردَّ نفسَها من مخالبِ الغياب… نعم سنظلُّ في حالةِ “انتظارٍ قانوني”، نرقبُ الطريق، ونجمعُ أدلةَ الصمود، ونرصدُ ملامحَ الرفاقِ في وجوهِ العابرين.

نعم ستظل القضيةُ مستمرة.. والتحقيقاتُ مع الذاتِ لم تكتمل.. والشهودُ رحلوا ولم يتركوا عناوينهم.. وتبقى ‘تورتة الميلاد’ مرّةً أمامنا ، بانتظارِ يقينٍ لم يأتِ بعد.”

باقي المرافعة الأسبوع القادم

YOUSRIELSAID@YAHOO.OM

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.