ناصر النوبي يكتب : صرخة من قلب بحيرة قارون

الفنان ناصر النوبي

هناك في أحضان الفيوم، حيث تلامس الشمس صفحة الماء كل مساء، ترقد بحيرة قارون شاهدة على آلاف السنين من التاريخ. لم تكن مجرد مسطح مائي، بل كانت روحًا نابضة بالحياة، ومصدر رزق، ولوحة طبيعية يأوي إليها الطير قبل الإنسان.
لكن هذه الروح باتت مثقلة بالألم ..سنوات طويلة من تدفق مياه الصرف الزراعي، المحملة ببقايا الأسمدة والمبيدات، وجدت طريقها إلى البحيرة. ومع كل موسم زراعي، كانت الأملاح تتراكم، والمياه تزداد اختناقًا، والطحالب تتمدد على السطح كستار يخفي الجمال ويخنق الحياة تحتها. تراجع السمك، وتعب الصياد، وانحسر التنوع الذي طالما ميّز هذا المكان الفريد.

الخسارة لم تكن بيئية فقط… بل سياحية أيضًا ..فالبحيرة كانت مقصدًا لعشاق الطبيعة والهدوء، ووجهة لهواة مراقبة

الطيور المهاجرة، ومحطة أساسية ضمن مسار زيارة الفيوم بما تحمله من كنوز أثرية وطبيعية. كانت صورة الغروب

على مياهها المالحة تجذب الزائرين، وكان نسيمها يحمل وعدًا بالسكينة. اليوم، يهدد التلوث هذا المشهد، ويشوّه

واحدة من أهم المقاصد البيئية في مصر.

إن إنقاذ بحيرة قارون ليس رفاهية، بل ضرورة. ضرورة لحماية جمالها، ولصون مصدر رزق أهلها، وللحفاظ على مكانتها

كوجهة سياحية بيئية قادرة على جذب الزوار من داخل مصر وخارجها.

فالطبيعة إذا أُهملت تألمت… وإذا أُحيطت بالعناية عادت أكثر إشراقًا مما كانت.

بحيرة قارون لا تطلب الكثير… فقط أن نمنحها حقها في الحياة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.