الكاتب أحمد مسعد قاسم يكتب : إعادة بعث الأمل

أتذكر جيدا في طفولتي وخلال مراحل دراستي الإبتدائية بمدرسة عمار بن ياسر للبنين بساحل روض الفرج وماتلاها من مرحلة اعدادية ثم ثانوية في مدرسة التوفيقية الثانوية الشهيرة بشبرا أن أبواب الأمل كانت مفتوحة علي مصراعيها أمامي ورفاق جيلي من أبناء الطبقة المتوسطة.
نعم فقد كنا علي يقين أنه بقدر الجهد والمثابرة في تحصيل العلم سيكون الناتج هو فرص عمل محترمة متاحة. وقد تعلمنا أن لكل مجتهد نصيب.
هكذا كانت نشأتنا والتي واكبها ظروف شكلت وعينا ورسمت طريقنا وأعانت كل منا علي انتهاج مايراه طريقا للمستقبل ومايحمله من فكر..
ثقافة جماهيرية ومسرح وفن شعبي وكتب تحمل أفكارا متنوعة ومجلات جاذبة لكل الاعمار ومتاحة بأسعار رخيصة في المتناول.. وفنانون يحملون رسالة تصل إلي الناس من خلال اعمال درامية ينتجها التليفزيون العربي أو أفلام تنتجها المؤسسة العربية للسينما أو مسرح قومي يقدم روائع المسرح العالمي والعربي وسلاسل مختلفة من الكتب التي تعتبر مراجع.
حتي الفن الشعبي كان من الرقي والجاذبية رفيعة المستوي فمن ينسي فرقة رضا أو الفرقة القومية للفنون الشعبية.
نعم هكذا كانت النشأة فماذا كان الناتج ؟؟؟
كان الناتج ظهور قوة ناعمة مصرية ساهمت اسهاما غير محدود في تربع مصر علي عرش الريادة العربية و الافريقية والإسلامية بل امتد أثرها عالميا إلي قارات العالم المختلفة ما بين شرق أوروبا واسيا وامريكا اللاتينية..
من منطلق ما تقدم أجد نفسي متعاطفا أشد التعاطف مع شبابنا اليوم. لماذا ؟؟
شباب اليوم لديه من الرفاهيات ماكان يومالايخطر علي فعلي سبيل المثال جهاز صغير بحجم أقل من كف اليد يسمي الموبايل ووسائل تواصل اجتماعي غيرت مفاهيم الدنيا بما أتاحت من فرصة الإنفتاح علي كل ماهو يجري حاليا في شرق الدنيا ،وغربها ، شمالها ، وجنوبها. بضغطة زر واحدة أو لمسة اصبع.
فهل حقق هذا التقدم المذهل وتلك الاتاحة الغير مسبوقة لشبابنا ماينعكس عليهم بالايجاب ويقدم لهم فرص فتح أفاق واسعة لتحقيق أهدافهم في مستقبل مشرق وظروف حياة أفضل تتمثل في فرص عمل لائقة ودخول نقدية تتيح لهم حياة إجتماعية كريمة يتم من خلالها تكوين النواة الاولي لأي مجتمع صحي سوي وهي الأسرة المستقرة الامنة المطمئنة علي يومها وغدها القادرة علي إنتاج أجيال أخرى قادمة تتوافر لها فرص التعليم الجيد والرعاية الصحية الواجبة والسكن الادمي وبعضا من وسائل الترفيه المعقولة كقضاء اجازة مصيف مثلا بسعر مناسب أو تناول وجبة عشاء في أحد المطاعم بسعر في المتناول أو ارتياد أحد دور السينما أو قاعات المسرح في عطلة نهاية الاسبوع تنشيطا للنفس وازاحة لتعب أسبوع العمل وشحنا لطاقة يستهل بها الشباب واسرهم أسبوع عمل جديد يبذل فيه الجهد وينتج.
الإجابة.. لا!!!
وفي هذا الصدد أجد نفسي هنا ومن منطلق واجبي وضميرى أدعو جميع من يحب هذا الوطن وينتمي إليه وتربي علي أرضه ونعم بخيراته أن يكون شغلنا الشاغل في المرحلة الحالية بل قضيتنا الأساسية هي بحث كيفية بعث الأمل في نفوس شبابنا من خلال إعادة تشكيل حقيقية تربي عليها جيلنا ببساطة شديدة ألا وهي. ( لو ذاكرت كويس هجيبلك الكورة اللي نفسك فيها). أو قاعدة كنا نتعلمها في مدارسنا الإبتدائية ( من جد وجد.. ومن زرع حصد)
نعم ما أحوج مصر الأن لإعادة نشر هذه الافكار عمليا وعلي الأرض ومن خلال الممارسة الفعلية وليست كلمات الإنشاء.
ما رأيكم في شاب اجتهد طوال حياته الدراسية وتعلم وتفوق من خلال سنوات بلغت ما بين ستة عشر عاما وتسعة عشر عاما حسب فترة دراسته الجامعية سواء كليات عملية أو نظرية ثم تخرج. ومنهم من وجد فرصة عمل بمرتب لايتجاوز مع التفاؤل عشرة آلاف جنيها.
وفي نفس التوقيت وفي نفس الزمن. وفي نفس الظروف. يري بعينيه شابا آخر لم يبذل مجهودا في الدراسة ولم تتحمل اسرته عبء تكاليف تعليمه ثم امسك بحديدة في يده وتحول بين ليلة وضحاها إلي نجم حفلات في الافراح أو يوتيوبر علي أي من مواقع التواصل ينشئ قناة أو صفحة له ومن خلالها كون ملايين الجنيهات من رص كلمات رخيصة المعني وخالية المضمون تحت مسمي أغنية شعبية.. أو من خلال استعراض مشاهد لا تليق باخلاقيات وعادات وتقاليد مجتمعنا!!! ؟؟
ماهو شعور واحساس الطبيب الشاب أو المهندس أو المحاسب أو المدرس أو العامل المهني المحترم المكافح أو غيرهم عندما يصدمهم فيديو لفرح في أحد احياء مصر الشهيرة تتوزع فيه الأموال بلا حساب علي المدعوين ويلقي بعضها علي الارض وتداس بالأقدام كما تداس معها كرامة من ينحني من البسطاء لالتقاط بعضها في مشهد مأساوي بخلاف الهدايا الذهبية الفخمة المقدمة لعريس لا يعرف القراءة والكتابة وعروسته ثم ينتهي الفرح بمشاجرة تتبخر فيها الأموال التي يري الشاب المكافح أنه لو قضي عمره كله يعمل ليل نهار في ظل الظروف تلك لن يتمكن من جمع ربع هذه الأموال.
أو تلك الأموال أيضا التي تسمي (نقوطا) والتي وزعت أخيرا في عقيقة مولود لأحد هذه النماذج الغريبة علي مجتمعنا ومن بينها مثلا سلسلة ذهبية تزن عدة كيلو جرامات من الذهب للمولود السعيد إبن أحد من ابتلي بهم مجتمعنا من نماذج تمثل غزوا حقيقيا لايقل خطورة عن غزو أى عدو خارجي. لأن هذا الغزو الجاهلي يستهدف اغتيال انتماء شباب هذا الوطن المكافح وقتل الطموح فيه
وللأسف فإن هذا الغزو له جنوده وحراسه ممن يتكسبون من ورائه ويستفيدون ولا يتوانون عن فعل أى شئ حتي وإن كان يخالف القانون لمساندة ذلك السقوط الاجتماعي و الانحدار الاخلاقي والجميع يري كيف يسير هؤلاء الذين أصبحوا مشاهير في غفلة من الزمن وسط حراسة مشددة ممن يشكون بودي جاردات لحمايتهم من المعجبين أو من (المنافسين لهم) من نفس النوعية
أعرف أن الموضوع شديد التعقيد بل وشائك وادرك أن القضية تحتاج إلي المزيد والمزيد من السرد والبحث والمناقشة وايجاد الحلول. كما اتفهم تماما أن مقالا واحدا لا يكفي لطرح كل ماهو متعلق بهذا الأمر
أيضا أوقن أن التوغل في هذه المسألة هي بمثابة من يلقي بنفسه في عش الدبابير وعليه تحمل النتيجة لكني اؤمن أن الوقت قد حان للمواجهة.
عندما بتعرض الأمر لمستقبل الوطن وعندما تشتد الهجمة الهمجية بما يستهدف شبابنا و طموحهم فالأمر يصبح فرضا علي كل صاحب فكر وصاحب قلم أن يتصدي بقوة وفكر وحلول وأن يسعي جاهدا لجعل هذه القضية قضية مجتمعية ملحة تتضافر فيها كل الجهود المخلصة لتصويب الأمر وايجاد الحلول.
واجدد هنا الدعوة لكل أقلام مصر الشريفة ورجال الفكر المستنير وأستاذة علوم التربية وعلوم الاجتماع أن يكون الجميع علي قلب رجل واحد. فكلنا مدينون لهذا الوطن وعلينا أداء حقه. وحق الوطن علينا الأن دعم شباب مصر المكافح بكل مانملك من فكر وثقافة وخبرة.
ولنا في الحديث بقية في مقال قريب إذا كان في العمر بقية وفي القلم مداد