عبد الناصر البنا يكتب : الطريق إلى .. التاج !!

لما تسمع الشاعر الكبير الأمير خالد الفيصل وهو يقول ” يا اسمر النيل عـــاودني عليك الحنين .. مـــــــــــن ثلاثين عام ما تغير هواك ، يعاودك الحنيــــن إلى الماضى ، إلى زمن فات ، زمن فيه الكثير من أحلى الذكريات ، التى تعيدنى الى رحلة علم فى جامعة المنصورة إمتدت لـ 4 سنوات فى مطلع الثمانينـــات وغيرت مجرى حياتى !!
الرحلة بدأت فى أكتوبر من العام 1983 للدراسة فى كلية الحقوق ـ جامعة المنصورة ، تلك الجامعة العريقة التى يشهد لها القاصى والدانى بأنها قبلة للعلم ، وأنها من الجامعات التى تميزت بالتفوق ، وقل أن تجد جامعة أخرى فى مستوى خريجيها خاصة من دارسى القانون ، ويكفينى شرفا وفخرا أننى تلمذت فيها على يد أساتذة كبار أمثال أ.د عبدالعظيم مرسى وزير محافظ القاهرة الأسبق ” رحمه الله ” ، أ.د احمد جمال الدين موسى وزير التربية والتعليم والتعليم العالى ، أ.د صلاح الدين فوزى الفقيه الدستورى والقانونى ، وآخرين أفاضل مثل أ.دعبدالمنعم البدراوى أستاذ القانون المدنى ، أ.د عبالفتاح حسن رئيس الجامعة .. وكثير غيرهم .
كانت الرحلة من أقصى الجنوب إلى الشمال مختلفة فى أشـــياء كثيرة ، فى الجو ، فى الناس وطريقة لبسها وكلامها ، وحتى عاداتها فى الأكل ، الناس فى الصعيد لاتعتمد على الأرز إلا قليلا ، حتى الشوارع ، والبيوت ، والأسواق ، كانت أيضا مختلفة ، لم نعتد يوما على وجود النساء تبيع وتشترى فى الأسواق ، وكانت تلك مهمة الرجال فى بلادنا ، حتى طفولتنا كانت مختلفة ، فأنا عشـــت طفولة قل فيها نزول المطر ، وكانت الأمطار تنزل على إستحياء فى مرات تعد على أصبع اليد الواحـــدة ، وكانت تصاحبها طقوس صبيانية عالقة فى الذاكرة ، رحلت إلى بلد لايكف عنه هطول المطر طوال الشتاء ، وأجواءا ضبابية تشبه إلى حد كبير أجواء مدينة لندن . وسماء ملبدة بالغيوم تغيب عنها الشمس طوال الوقت .
أجواء رغم برودتها توقعك فى شراكها ، وسرعان ماتتعايش معها ، وتقع فى عشق وغرام تلك المدينــــة القابعة فى شرف الدلتا على ضفاف فرع دمياط من نيل مصر الخالد ، عشقت المدينة الهادئة التى تميزت بسحرها وجمالها وخصوصيتها كعروس متوجه على عرش مدن الدلتا ، إنتهت سنوات الدراسة التى مرت كأنها حلم جميل طالما يعاودنى الحنين إليه كلما تذكرته .
مدينــة المنصورة عاصمة الدقهلية ، مدينـــة صاحبة فضل علىً هى وأهلها البسطاء الكرام . والحياة فيها بسيطة ، وأهلها أهل كرم وجود ، لايشعروا الغريب بغربه ، وتجد منهم كل الحب والود وكأنك إبنا لهم ، المنصورة مدينــة تشعرك للوهلة الأولى أن من رسمها فنان ، خطها بأناملة على ضفتى النيل ، وأتذكر أن معرضا أقيم للصور الفوتوغرافية فى جامعة المنصورة ، وقدم خلاله شاب لوحة بانورامية لمدينه المنصورة الممدة على النيل وكانت غاية فى الروعة والجمال .
فى العام 1987 انهيت دراستى وتركت المدينـــة حاملا معى ذكريات خالدة عاصرت خلالها اللبنات الأولى لـ ” كازينو جزيرة الورد” والمشاية السفلية على النيل ، وإنجازات كثيرة تحققت على يد محافظها اللواء سعد الشربينى رحمه الله ، عاودنى الحنيـــن وذهبت إلى المنصورة هذه المرة قاصدا محل لبيع قطع غيار السيارات الصينية بعد أن غلب على الظن أن قطع الغيار التى تباع فى قاهرة المعز بها قدر كبير من الغش بخلاف الأسعار المبالغ فيها ، وأن أغلب العلامات التجارية الموجودة عليها هى علامات مقلدة .
إختيار المنصورة جاء لأسباب أهمها : نوستالجيا الحنين إلى الماضى ، وإستعادة ذكريات الزمن الجميل حتى فى إختيارى لطريق ” أجا ــ المنصورة ” القديم الذى أضاع منى قرابة الساعة لإجتياز كوبرى أجا القديم ، وأيضا للوقوف على تجربة شابين قررا فتح محل لبيع قطع غيار السيارات بعد أن عمل أحدهما لفترة فى الصين
أحمد .. شاب فى أواخر الثلاثينات من عمره خريج كلية التجارة ، لفت نظرى تدينه الشديد ، وقراءاته المتعددة فى مقارنة الديانات السماوية ، تحدثنا قرابة الساعة فى أمور شتى ، وحكى لى عن نظرة التاجر الصينى للمسلمين من خلال تعامله مع مستوردى قطع غيار السيارات ،
لكن ماكنت أبحث عنه هو السر فى زيادة أسعار قطع الغيار رغم قلة جودتها ، وكانت المفاجأة أن المستورد أو التاجر يبحث عن أقل جودة ، فاذا كانت الجودة هناك تنقسم إلى (ABC ) هو يبحت عن الـ (C) ، ويطلب وضع علامة المنتج الأصلية عليها ، ليبيعها بنفس سعر القطعة الـ ” أوريجينال ” ، وتحدث معى عن التعقيدات الجمركية والروتين والمافيا ، ولا أود أن أطيل فى أمور يعلمها القاصى والدانى من المستوردين .
طريق بنها المنصورة القديم المحاذى للرياح التوفيقى المعروف ب” ترعة المنصورية ” الذى إعتدت السفر عليه كان
السفر عليه فى الماضى متعه لاتضاهيها متعة ، اليوم أصبح السير على هذا الطريق ٌمذرى ، لايمكن أن تتجاوز
سرعتك عليه الـ 40 كم / ساعة ، والحق أقول أن الدولة ماضية الآن فى شق طريق جديد شرق الرياح التوفيقى
بطول 73 كم أنجزت حوالى الـ 20 كم ، ولكن الطريق أمامها طويل ، والحق أقول أن المسافة القصيرة التى قطعتها
علي هذا الطريق لم أجد فيها راحتى النفسية ، وقد يكون السبب هو الحنين للماضى .
عموما أنا لم أكن لأتخيل أن تصبح المنصورة بالصورة التى رأيتها عليها اليوم ، بالقدر الذى أصابنى بفقدان مؤقت
للذاكرة ، متعمدا أن لاتضيع منى تلك الصورة الجميلة لهذه المدينة الجميلة التى طبعت فى ذاكرتى ، ولذلك قررت
العودة سريعا هربا من تلك الغابة من الكبارى التى أفقدتها جمالها ورونقها ، وفى طريق العودة توقفت عند مدينة ”
ميت غمر ” وهى مدينة تتميز ب” أسطوات ” مهرة ، فى صيانة السيارات ، ناس بتشتغل صح ، وأنا لى فيها أحباب ..
إستغرقت عملية الصيانة 6 ساعات وإنتهيت منها قرب منتصف الليل تقريبا ، الـ 6 ساعات كانت كافية لان أتفقد أحوال
الناس فى المدينة .
الناس فى ميت غمر مثل غيرها من مراكز المحافظات مهمومة ، تعيش فى صراع من أجل أن تحيا ، حياة رغم صخبها
.. رتيبة جدا ، شكوى من غلاء الأسعار ، إيجار الشقة فى المناطق الشعبية تجاوز الـ 4 آلاف جنية على الرغم من
قلة عدد السودانيين فى المدينة ، وعلمت أن السبب هو غزو سكان القرى للمدينة بحثا عن حياة أفضل ، الناس
محبطة ، وضحكتهم باهتة ، فى خوف من ما هو آت ، العمران زحف على أغلب الأراضى الزراعية فى مخططات
عشوائية تفتقد للشوارع والصرف والمياة والبنية التحتية .
فرص العمل فى المدينة محدودة جدا ، بل تكاد تكون منعدمة ، بإستثناء مهن بعينها فى الخدمات التى تقدمها
محطات الوقود ، أو الوظائف المهمشة مثل ” قيادة التوك توك ــ جمع الخردة .. وغيرها ” أحد أبناء الفنى الذى قام
بعمل الصيانة لسيارتى شاب فى أواخر العشرينات يعمل على ” تروسيكل ” لجمع الخردة ، والثانى يمتهن مهنه
والده ، ولكنه يعمل فى مدينة الشروق بالقاهرة ، المكالمات لم تنقطع طوال الليل مع الأصدقاء الأوفياء فى مدينة
ميت غمر ممن غمرونى بدفء مشاعرهم ، وحلم الخروج إلى النور والعيش فى القاهرة من أجل حياة أفضل لا تخلو
من طموح المشاركة الإيجابية فى المجتمع وتحقيق الذات ، ليكونوا أكثر فاعلية فى المجتمع
أحلام كلها مشروعة رغم بساطتها ، ولكن ” تؤخذ الدنيا غلابا ” كما قال شوقى عن المتنبى ، وهى تعنى أن تسعى
جاهدًا وتنافس وتتغلب على العقبات ،
بقى أن أشير إلى أن ” التاج ” هو محل لبيع قطع غيار السيارات .. دمتم فى أمان الله .