الكاتبة الصحفية جيهان عبد الرحمن تكتب : غير لائق اجتماعيًا

جيهان عبد الرحمن

غير لائق اجتماعيًا..عبارة قصيرة، باردة، تصلح لأن تكون حاشية إدارية، لكنها في الحقيقة حكم بالإعدام على كل حلم كان ينبض بالحياة والأمل. عبارة نستدعيها من أرشيف الحوادث كلما تكررت المأساة نفسها؛ المضمون واحد، وإن اختلفت التفاصيل.

بهذه العبارة انتهت حياة عبد الحميد شتا، ابن قرية ميت الفرماوي بمركز ميت غمر – الدقهلية، حين ألقى بنفسه في نهر النيل عام 2003. لم يكن شتا شابًا عاديًا، ولا متطفلًا على موقع لا يستحقه. كان خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بتقدير امتياز، باحث واعد يستعد لمناقشة الماجستير، وكاتب في مجلة السياسة الدولية، وصاحب أبحاث علمية نال عنها جوائز،

تقدّم لوظيفة ملحق تجاري بوزارة الخارجية عام 2002، واجتاز الاختبارات التحريرية والشفوية متفوقًا على جميع المتقدمين. لكنه لم يُقبل، لا لعيب في كفاءته، بل لأن والده عامل في مصنع طوب.

لم يُرفض الشخص، بل رُفض الأصل. ولم يُقيَّم العقل، بل نُبش السلم الاجتماعي حتى آخره.

مرت السنوات، وظننا – أو تمنّينا – أن المجتمع تعلّم الدرس. لكن الجرح لا يلتئم، بل يُعاد فتحه كل مرة بأداة مختلفة.

اليوم، تعود القصة في جامعة إقليمية، لا في وزارة سيادية، وبصوت رجل أكاديمي يُفترض أنه حارس للتنوير، لا بوّابًا للإقصاء.

سها إبراهيم أحمد، الأولى على كلية الألسن – جامعة سوهاج بتقدير امتياز، تُحرم من التعيين لأنها ابنة مؤذّن، وبحسب ما نُسب إلى عميد الكلية:

«آسف يا بنتي… ابنة المؤذن ما ينفعش تكون معيدة عندنا. عندي خطة خمسية معتمدة».

ثم انصرف، وتركها غارقة في الحزن والقهر وبحور الظلم، وكأن الأمر إجراء روتيني، لا كسرًا للإنسانة، ولا طعنًا في فكرة العدالة.

لم يكن الرفض مجرد قرار إداري، بل لحظة انكسار داخلي. فتاة قضت عمرها بين الكتب والاختبارات، ترى في التفوق حق مكتسب فيُسلب منها المكان والأمان، وتتحول الإنجازات إلى جروح صامتة.

لو صح قول العميد للفتاة، فنحن لا نكون أمام تجاوز إداري أو رأي شخصي، بل أمام اعتداء مباشر على الدستور. فالمادة (53) من الدستور المصري تنص صراحة على أن:

«المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو العِرق أو اللون أو اللغة أو الإعاقة أو المستوى الاجتماعي أو الانتماء السياسي أو الجغرافي أو لأي سبب آخر».

المستوى الاجتماعي…

كلمتان كافيتان لإسقاط كل خطاب طبقي، وكل قرار يُبنى على مهنة الأب لا على كفاءة الابن أو الابنة. وهو أيضًا اعتداء على جوهر الجامعة نفسها، التي تقوم على مبدأ الاستحقاق العلمي.

الخطر الحقيقي هنا لا يكمن في حالة فردية، بل في العقل الذي يرى المجتمع طبقات . عقل يعتقد أن صوت الأذان لا يليق بالمنصة الأكاديمية، و عامل الطوب لا يُنجب دبلوماسي، وأن الفقر عيبٌ وراثي لا يُغتفر.

هذه ليست أخطاء أفراد، بل بنية إقصاء. ودعوات للانتحار، واليأس، والهجرة، والكراهية، مناخ يتحوّل فيه التفوق من نعمة إلى لعنة.

المجتمع الذي يُحاسِب الإنسان على أصله لا على فعله، هو مجتمع ينقض فكرة العدالة من جذورها.

ودستوريًا، هذا التمييز يهدم العقد الأخلاقي مع المواطنين فلم يعد السؤال: لماذا انتحر عبد الحميد شتا؟

ولا لماذا أُستبعدت سها وهي الأولى على كليتها؟

السؤال الأشد قسوة هو: كم عبد الحميد آخر يجب أن يموت، وكم فتاة يجب أن تُكسر، قبل أن نعترف أن “غير لائق اجتماعيًا” هي أبشع كذبة قيلت باسم النظام؟

العدل لا يُخطَّط له بخطط خماسية، ولا يُقاس بمهن الآباء،

ولا يُدار من مكاتب مغلقة.

العدل…إما أن يكون حقًا للجميع، أو لا يكون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.