الكاتب الصحفي عبدالرازق توفيق يكتب : النظام العالمى.. بين الجموح الأمريكى.. والصمت الصينى الروسى

تطلع العالم لبناء نظام عالمى متعدد الأقطاب يقضى على النظام أحادى القطبية الذى تقوده الولايات المتحدة، بعد أن دفع الحجر والبشر بسبب هذا النظام ثمنًا فادحًا من أمنه واستقراره وتفكك دوله، ونهب ثرواتها، لكن يقولون إن النظام العالمى برمته انتهي، وآخرون يقولون إنه مات قبل أن يولد، فما حدث فى فنزويلا وقبلها فى كثير من الدول التى سقطت فى براثن المؤامرات الأمريكية.. ولم تكن حرب الإبادة الصهيونية فى غزة وقتل عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والأبرياء وحرب تجويع وتدمير للأخضر واليابس فى القطاع إلا عنوانًا جديدًا لعالم بلانظام، بلا قانون وباتت منظماته مجرد واجهات تحمل يافطات دون معنى أو هدف أو تأثير، لقد اقتلعت أمريكا هذه المؤسسات من جذورها وربما وجدتها لتخدم مصالحها.
السؤال هل تبدد حلم النظام العالمى الجديد متعدد الأقطاب؟ هل تفرض الولايات المتحدة السيطرة الكاملة على العالم ويتمدد نفوذها وهيمنتها على النظام العالمى وتحتفظ ببقائها كقائد له لكن السؤال الأكثر أهمية أين الصين وأين روسيا وكافة القوى الدولية الأخرى؟ ولماذاتضرب أمريكا ولاتبالى، دون خوف أوحذر، ودون أن تحسب لأى قوى أخرى حتى وصل الأمر إلى اختطاف سفن تحمل العلم الروسي، ولاتأبه بالتهديدات والتصريحات الصينية، والأخطر من ذلك أن الحلفاء الإستراتيجيين لبكين وموسكو يقعون فريسة سهلة سائغة فى يد الولايات المتحدة الأمريكية دون حراك أومقاومة «صينية ــ روسية»، فإذا كانت «فنزويلا» الحليف الإستراتيجى ويحمل نظام نيكولاس مادورو الذى القت واشنطن القبض عليه من حجرة نومه شفرة العلاقات مع روسيا، وحروب الجماعات والميليشيات، فى مناطق شتى فى العالم بل وتهدد الولايات المتحدة الأمريكية وهو خزينة أسرار عن الأنشطة الروسية، ورغم ذلك لم تحرك موسكو ساكنًا، ولم تحم مادورو بل أن هناك صحفًا أمريكية ــ قالت إن ثمة صفقة «أمريكية ــ روسية» جرت بحيث تغض أمريكا الطرف عن أوكرانيا مقابل أن تكون فنزويلا لواشنطن ويبدو أن هذا الحديث غير منطقي، والأصح أن أمريكا قدمت أوكرانيا فى عام 2022 كطعم ابتلعه الدب الروسى دون أن يدرى القادم، خاصة أن أمريكا استهدفت اشغال روسيا فى المستنقع الأوكراني، واستنزاف قدراتها، حتى يأتى تنفيذ مخطط أمريكا فى اقتناص فنزويــلا فلا تحــرك روسيا ســاكنًا، ولا يتم فقــط أبعادها عن فنزويــلا بل الشرق الأوسط أيضا، وتأتى إيران كهدف تال للأمريكان وإسرائيل، وهى حليف إستراتيجى لروسيا والصين وفى ظل التظاهرات والاحتجاجات المتصاعدة فى إيران والتى بطبيعة الحال تدعمها واشنطن وربما هى من تشعلها بالتعاون مع تل أبيب حتى يأتى الوقت المناسب لبدء الهجوم الأمريكى الإسرائيلى على إيران، وهو ما سيحدث كارثة فى المنطقة ستدفع دول وشعوب تداعياتها القاسية، وستحدث حالة فراغ، لذلك ترفض مصر إسقاط أو تفكيك أو حتى التدخل الخارجى فى شئون أى دولة فى المنطقة لأنه لايصب فى مصلحتها بل يزيد من تعقيد الأمور، وتنامى الفوضى وهو ما يصب فى مصلحة مخططات وأوهام الكيان الصهيونى.
من الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية، تستهدف فى الاساس فى إطار حربها للهيمنة ومد النفوذ القضاء على القوى المناوئة لها أو حلفاء الصين وروسيا، لأن المعركة الحقيقية بين «واشنطن وبكين» وضرب الصعود الصينى المتنامى والذى بات يهدد النفوذ الأمريكى لذلك تتحرك واشنطن لتقويض حلفاء الصين وروسيا والسيطرة على الثروات النفطية والمعادن النادرة، وفرض طوق حصار وسيطرة على هذه الثروات التى تحصل عليها الصين، وقطع الطريق على تمدد بكين فالصين، تحصل على النفط الفنزويلى بما يعادل 940 ألف برميل يوميًا وتحصل أيضا على جزء كبير من النفط
الإيرانى وفى الحالتين أسعار تنافسية.
البعض يسأل أين الصين من هجمات أمريكا واستخدامها لفنزويلا وقبلها إيران، وربما يتجدد الصراع مع إيران.. وأين
ستكون الصين فيما هو قادم، وهل الصدام مع واشنطن واقع لا محالة.
البعض يقول إن الولايات المتحدة تحاول اشغال الصين بتايوان، وفى ظنى أن بكين أذكى بكثير رغم أنها لن تفرط فى
الجزيرة، لكن هى من ستحدد الوقت المناسب، ولن تفلح واشنطن فى استدراجها لكن السبب الحقيقى لعدم
مواجهة الصين للتحركات الأمريكية لمحاولة ضرب نفوذها، هو أن الصين لديها مبدأ منذ سنوات، وهى تجنب الدخول
فى صراعات أو حروب أو مواجهات مسلحة لرغبتها القوية فى استكمال صعودها الاقتصادى ولديها مشروع واضح
بشكل مصدر قلق وتهديد للأمريكان وهو وصولها إلى سدة النظام الاقتصادى العالمي، وإزاحة الاقتصاد الأمريكى أو
على حسابه لذلك تعمل واشنطن على قطع الطريق على مناطق النفوذ والتمدد الصينى ومحاصرة المناطق التى
تحصل منها على موارد نفطية ومعادن نادرة ومنها فنزويلا، وربما إيران لكن الأيام ستخبرنا هل ستنجح مع طهران؟
لا نستبعد أن تتسبب الاستفزازات والهجمات الأمريكية، ومحاولات قطع الطريق على النفوذ الصينى فى التعجيل
بالصدام، إذا شعرت الصين تداعيات خطيرة ستؤثر على مسيرتها ونفوذها ومشروعاتها فى مناطق شتى بالعالم
خاصة أفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.. لأن الصين هدف أساسى للأمريكان.
هل كان الرئيس الأوكرانى فلاديمير زيلنسكى طعمًا أمريكيًا لروسيا وأوروبا، خاصة أن واشنطن ضربت عصافير كثيرة
بحجر أوكرانيا.. اشغلت واستنزفت روسيا، وادخلت أوروبا فى سباق للتسلح وتخصيص عشرات المليارات لتزويد
أوكرانيا بالسلاح ضد روسيا، وهنا استفادت الولايات المتحدة الأمريكية من الأمرين، فاشغال موسكو سيفتح لها
الطريق إلى تنفيذ أهدافها فى مناطق كثيرة مثل فنزويلا الحليف الإستراتيجى لروسيا، وربما بعدها إيران وكذلك جنت
أموالاً طائلة من خلال تشغيل مصانع السلاح لتوريد الأسلحة لأوكرانيا بأموال أوروبية.
لا تراهن على صمت الصين وروسيا تجاه سياسات وسلوكيات الأمريكان، الأمور مازالت فى البدايات وربما ينفد الصبر،
أو تتعاظم الأضرار، وتقوض المصالح حينها لن يكون هناك سبيل إلا المواجهة، أو يحدث خطأ ما يفقد الجميع السيطرة
ويصح القرار فى حالة انفلات وينحاز إلى الصدام.
تحيا مصر