الفنان ناصر النوبي يكتب: كرة القدم… أفيونٌ بنكهة الهزيمة

كنتُ قد أقلعتُ عن مشاهدة كرة القدم منذ زمنٍ بعيد، لا زهدًا ولا تعاليًا، بل خوفًا من الإدمان. فكل ما يُؤخذ بجرعاتٍ عاطفية زائدة يتحول — عاجلًا أو آجلًا — إلى أفيون!!
لكن الحنين، هذا المخادع القديم ، يعود بي من آنٍ لآخر، فيُقنعني أن أجرّب من جديد، لعلّ الناس على صواب وأنا المخطئ، ولعلّ كرة القدم المصرية تغيّرت، أو على الأقل تعلّمت من كوارثها القديمة.
فأجلس… وأشاهد… وأندم.
المنتخب المصري اليوم لم يُحزنني لأنه خسر، بل لأنه خسر بنفس الطريقة القديمة ، بنفس العيوب المحنّطة، وكأن الزمن توقف عند أول ارتباك في تاريخ الكرة المصرية.
فجأة يتيه اللاعبون في الملعب، لا يعرفون من أين جاؤوا ولا إلى أين يذهبون، تتخبط العقول، وترتجف الأقدام، وتتحول المباراة إلى تمرين جماعي على القلق.
ثم يأتيك المدرب، بفكرٍ دفاعي محدود، يقرر — بكل ثقة — أن أفضل طريقة للفوز هي أن تمنح الخصم الكرة والملعب والمبادرة والضغط… لمدة أكثر من 75 دقيقة!
مقامرة عبقرية، لا يفعلها إلا من قرر الهزيمة سلفًا ووقّع عليها بالقلم الجاف.
يا أخي، عندما تملك مهاجمين مثل محمد صلاح وعمر مرموش، ولا تعرف كيف توظفهم، فهذه ليست فلسفة كروية… هذا فشل صريح.
وعندما تظن أن الدفاع المتواصل سيُنقذك، فأنت لا تعرف أن الهجوم — أحيانًا — هو آخر معاقل الكرامة.
للحق أقول، يا حسام حسن: لقد نجحت خطتك بنجاحٍ باهر… في هزيمة المنتخب هزيمة نكراء، بلا مقاومة، بلا محاولة، بلا حتى ادعاء شرف الخسارة.
لعبنا وكأن المباراة تُقام على مرمى واحد، وكأن حارس مرمى السنغال مجرد متفرج اشترى تذكرة بالخطأ، فلم نره إلا في الدقائق الأخيرة، حين تذكّر المنتخب — فجأة — أن هناك مرمى آخر في الملعب!
وهذا وحده دليل الإدانة ..كان بالإمكان الهجوم… كان بالإمكان اللعب… كان بالإمكان الخسارة بشرف.
لكن ما حدث كان أسوأ .. فريق يمتلك الأدوات، ويختار الجُبن والهزيمة .. يمتلك القدرة، ويفضل التخاذل ..يلعب لا من أجل الفوز، بل خشية الهزيمة… فينهزم.
إنها ليست خسارة مباراة، بل خسارة فكر ..فكرٌ متقادم، متخاذل، يظن أن النجاة في الانكماش، وأن السلامة في الاختباء، وأن البطولة هي ألا تُهزم كثيرًا.
سحقًا لهذا المنطق، وسحقًا لهذا الفكر الذي يتسلل إلى بعض الجينات الكروية ويجعل الهزيمة خيارًا استراتيجيًا،
والخوف… خطة لعب والهزيمة هى الحل !!