كان يوما عبوسا قمطريرا، فقد احترق الاجتماع الوزارى الطارىء بلظى الصدمة،وكأن وجوههم عليها غبرة ترهقها قترة، فتقول جولدا:” كنا نقاسى من انهيار نفسى سحيق”.. هكذا تصف اجتماعها بوزرائها حين دخل عليها سكرتيرها العسكرى مفزوعا، ومعلنا عبور المصريين لخط بارليف، ذلك الخط الذى كلف المليارات من الشيكل، وقال عنه حاييم بارليف :” انه أقوى من خط ماجينو” وايضاً قال موشيه دايان :” إذا فكر المصريون فى عبور المانع المائى- يقصد قناة السويس- فإن مياه القناة ستتلون بدماء المصريين” وكان يعتمد على خطوط النابلم الحارقة الممتدة من خط بارليف الى قناة السويس، الحقيقة أن صدمة العبور كانت اشد حرقا لأنفسهم من نيران النابلم، فتقول جولدا:”لم تكن الصدمة فى الطريق التى بدات بها الحرب فحسب لكن ايضا فى حقيقة ان عددا من افتراضاتنا الاساسية قد ثبت خطؤها”.. هكذا اعتمد الاحتلال على الكذب والترويج لادعاءات صنعها ليحدث بها حربا نفسية على المصريين عندما قالوا:” اسطورة الجيش الذى لا يقهر” وقالوا :”اليد الطولى – القوات الجوية – تستطيع الوصول الى عمق مصر ” وقالوا:” ان اجهزة الاستخبارات قادرة على التنبوء بأية تحركات معادية قبل حدوثها” وقالوا:” ان النقاط الحصينة على خط بارليف والاحتياطي القريب قادر على صد اى هجوم” .. وقالوا كثيرا لكن أهمها ما قاله موشيه دايان :” ان المصريين أمامهم عشرين عاما حتى يفكروا فى عمل عدائي محدود”
فى النهاية كانت صدمة عبور المصريين تعد انهيارا لمنظومة الكذب التى احترفها الصهاينة ليكذبوا على العالم وعلى المصريين وعلى شعبهم، وكان العبور بمثابة كشف حقيقى وجلاء امام انفسهم انهم – القادة – كانوا يكذبون على انفسهم اولا!.
فتقول جولدا :” كان احتمال الهجوم فى اكتوبر ضئيلا وكان هناك يقين بأننا سنحصل على الإنذار الكافى قبل وقوع الهجوم، وكان هناك ايمان بأننا سنقدر على منع المصريين من عبور قناة السويس”.. هكذا تصف جولدا إبعاد الصدمة وأسبابها حين ابلغها سكرتيرها بعبور المصريين، بل انها راحت ابعد من هذا اذ تقول :” لم يكن ممكنا أن تكون الظروف أسوأ مما هى عليه الان”.. كانت لحظة عبور المصريين بمثابة انهيار نفسى ساحق لقادة الكيان قبل أن تكون انتصارا عسكريا، وعندما تقول رئيسة وزراء الكيان انها لن تستطيع أن تصف تلك الايام بما تحوية من صدمة مميتة وقسوة الذل الذان تعرضا لهما قادة الكيان السياسيين والعسكريين، وربما إن تلخيص حالهم فيما قالته جولدا:” اظن انه يكفى ان اقول اننى لم استطع ان أبكى عندما انفردت بنفسى” .. وهنا اترك للقارىء العربى والغربي والعبرى اجابة سؤال – استنكارى- مفاده؛ هل كانت جولدا تصف حالة انتصار للصهاينة يوم كيبور؟
هكذا وصفت جولدا يوم العبور ، بل انها كانت تقضى وقتها فى اتصال مستمر مع اصدقائها فى امريكا تستجدى تدخلهم لدى المصريين لوقف نزيف الدم الصهيونى، وما بين مكتبها وغرفة الحرب كانت المشاورات الدائمة غير المجدية مع قادتها العسكريين ورؤساء اجهزتها الاستخباراتية ووزير خارجيتها وسفرائها لدى امريكا وروسيا،
وتعترف جولدا بالثمن الباهظ، وتقول:” لقد كنت اعرف أن كل تقرير حول امكانية مواجهة المصريين يحمل فى طياته الثمن الباهظ الذى ندفعه من الأرواح البشرية، وكان بمثابة سكين تغمد فى قلبى”
ونستكمل مجريات يوم السابع من اكتوبر واعترافات جولدا عن الهزيمة ان شاء الله،