الشيخ اكرامي منير ريحان يكتب : وحدة الآديان وعالمية الإسلام

ارسل الله تعالي الرسل لهداية الناس , ودعوتهم جميعاً واحدة وهي الدعوة الي عبادة الله وحده لا شريك له وخلوص السريرة للحق وقيام النفس بصالح الأعمال قال تعالي ( وما ارسلنا من قبلك من رسول الا نوحي اليه انه لا اله الا انا فاعبدون , ثم خص كل امة برسول وبرسالة محددة من حيث الزمان والمكان قال تعالي ( ولكل امة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون وقال تعال ( وان من امة الا خلا فيها نذير ) وقال تعالي ( وكم اهلكنا من قرية كانت ظالمة وانشأنا بعدها قوماً اخرين , ولم تعلم رسالة عالمية للناس كافة غير رسالة محمد صلي الله عليه وسلم قال تعالي ( وما ارسلناك الا كافة للناس بشيراً ونذيراً ) وقال تعالي ( وما ارسلناك الا رحمة للعالمين ) قال ابن خلدون في المقدمة صـ289 ( وأما سوي الملة الاسلامية فلم تكن دعوتهم عامة , ولا الجهاد عندهم مشروعاً الا في المدافعة فقط فصار القائم بأمر الدين فيها لا يعنيه شئ من سياسة الملك , وانما هم مطالبون بإقامة دينهم في خاصتهم ) ولذلك بقي بنو اسرائيل من بعد موسي ويوشع صلوات الله عليه نحو اربعمائة سنة لا يعتنون بشئ من امر الملك انما همهم اقامة دينهم فقط , ولكنهم لما ضجروا من مغالبة الامم فطلبوا علي لسان شمويل (وهو المذكور في قصة سورة البقرة ” اذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله” ) البقرة : 246 , وهو النبي السابق علي داوود عليه السلام )
فطلبوا من انبيائهم ان يأذن الله لهم في تمليك رجل عليهم فملك عليهم طالوت وغلب الأمم , الي أن جاء بختنصر ملك بابل فغلبهم علي ما كان معهم من الملك وخرب مسجدهم وأحرق توراتهم وأمات دينهم , ثم جاء اليونانيون من بعدهم , ولكن بعدما فشل امر اليونانيون اعتز اليهود مرة ثانية ثم جاء الرومان فأهلكوا ملكهم وتسلطوا عليهم بالقتل والتعذيب مرة ثانية وانتهي ملكهم علي يد الرومان وتشتت دولتهم وهو الخراب الثاني للمسجد ( بيت المقدس ) , ولهذا لم يسلم ابن خلدون بمشروعية الحروب الصليبية أو انها لم تكن مبررة علي حد قوله وذلك لأن هذه الديانات كانت ديانات خاصة فلم تكن في حاجة الي توسع او نشر بخلاف الإسلام , فالفتوحات الإسلامية كانت مشروعة ومبررة للتبليغ ونشر الاسلام فالإسلام رسالة عالمية وخالدة كما مر
ونتيجة لتباعد الزمان وما خضعت له تلك الامم من ظلم وتعطيل لأحكام هذه الكتب المقدسة قرونا من الزمان فقد وقع تحريف لبعض الكلم عن مواضعه والخطا في تفسير بعض النصوص المقدسة مما أدي الي تحريف وتبديل بعض الاحكام الشرعية قال تعالي ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) المائدة : 13 , إشارة الي الخطأ في تفسير بعض النصوص المقدسة , وليس هذا بغريب بل هو وضع طبيعي فقد وقع للعرب قبل ذلك فبدلوا مثلا الأشهر الحرم وكثير من احكام الملة كأحكام الحج والعمرة والزواج والطلاق وغيرها قبل الأسلام
فكان لزاماً ان ينزل كتاباً يحيي ما اماته الناس من احكام صحيحة ويصدقه , ويصلح ما افسدوه وبدلوه من احكام ويهيمن عليها قال تعالي ( وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه ) المائدة : 48 ويعني بذلك القرآن الكريم يقول الشيخ دراز : موضحاً معالم العلاقة بين الكتب الثلاثة يقول سيادته : ان القرآن الكريم جاء مصدقاً لما بين يديه من الكتاب : أي الكتب السابقة , وليس معني التصديق عدم الاضافة او التبديل لبعض الاحكام : اذ جاء الانجيل ليحل بعض احكام التوراه , كما أحل القرآن بعضاً مما حرمه الانجيل , وحسب دراز : فإن هذا ليس نقضاً من المتأخر للمتقدم او انكاراً لأحكامه وانما هو وقوفاً بهذه الأحكام عند ظرفيتها التاريخية فكلها من عند الله والله تعالي بعلمه وحكمته يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد , كما جاء القرآن الكريم مهيمنا ً عليها ايضاً ومن مقتضيات هذه الهيمنة الا يكتفي بتأييد ما ورد فيها من حق وعدل وصدق , وانما يتوجب عليه ابعاد التأويلات ونبذ التفسيرات الخاطئة التي نسبت اليها زوراً وبهتانا ً وهو بهذا يهدي للبشرية صنيعاً , لحفظه تراثها السماوي نقياً كما هبط من السماء ( انظر رسالة الشيخ محمد مصطفي المراغي . شيخ الأزهر بعنوان ” الزمالة الانسانية ” التي قدمها لمؤتمر الأديان بلندن عام 1936 , ورسالة الشيخ محمد عبد الله دراز بعنوان موقف الاسلام من الأديان الاخري وعلاقته بها ) بحث مشارك في الندوة العالمية للأديان ” لاهور – باكستان ” عام 1958
وبذلك يتعين علي الباحث عن حقيقة أي حكم شرعي ان يرده الي القرآن الكريم باعتباره مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه كما مر , ولذلك غضب النبي صلي الله عليه وسلم حينما رأي عمر بن الخطاب يحمل صحيفة بها بعضاً من نصوص التوراه فقال النبي (ص) ” أفي شك ياابن الخطاب ألم أت بها بيضاء نقية فوالله لو كان اخي موسي عليه السلام حياً لما وسعه الا اتباعي ” رواه أحمد والبيهقي
اما دعوي دمج هذه الديانات مرة ثانية الصحيح منها والسقيم بحجة ان الجميع هم ملة الخليل ابراهيم عليه السلام
هي في الحقيقة دعوة لشقاء البشرية من جديد عن طريق خلط تلك الاحكام الشرعية سواء المحكم منها والمتشابه وسواء كان في العقيدة او الفروع بمثابة الدوران في حلقة مفرغة
اذ ملة الخليل ابراهيم عليه السلام لا تقتصر علي الديانات الثلاثة ( اليهودية – المسيحية – الاسلام ) وانما هناك طوائف اخري يضيفها بعض الاكاديميون احياناً كأديان ابراهيمية وهذه الطوائف كالمجوس , الصابئة , وعدداً من النحل مثل المندائية – السامرية – الدرزية – البابية – البهائية – والمرومونية وغيرها قال تعالي ” ان الذين امنوا والذين هادوا والصابئين والنصاري والمجوس والذين اشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله علي كل شئ شهيد ”
الحج 37 , فنكون بذلك قد فتحنا باباً جديداً للتعدد والانقسام في العقيدة بدلاً من الوحدة فالرجوع للحق اولي واصوب وذلك باتباع القرآن الكريم , فالحق قديم والرجوع للحق خير من التمادي في الباطل والله تعالي اعلي واعلي .