عبد الناصر البنا يكتب : أصل الحكاية ( 2-2 )

عبد الناصر البنا – الفضائية المصرية
وأنا بصدد إجابتى عن السؤال عن حلم مجانية التعليم ، وهل أصبح التعليم مجانا كالماء والهواء ؟
بعد كل ماقيل ويقال عن هدف المجانية النبيل ، كنت قد توقفت عند لقاء مديرة المدرسة ، بعد أن إعتقدت للوهلة الاولى أننى مسئول كبير فى الدولة ، وأن الطفلين أحد أفراد أسرتى أو من أقاربى لـ شده دفاعى عنهم ومحاولة إقناعها بتفوقهم ، وقد يكون منهم زويل أو فاروق الباز أو طبيب أو عالم .. إلخ .
وكانت المفاجأة عندما أقسمت لها أن هذا العمل خالصا لوجه الله تعالى ، وأنها المرة الأولى التى ألتقى فيها الطفلين ووالدهم ، وأن هذا بدافع الإنسانية ، وقد تكون الصدفة التى غيرت مجرى حياتهم كما نقرأ دوما فى قصص النابغين ، هدأت السيدة قليلا وتوقفت عن الثرثرة ومحاولة التنصل ، وبدأت تملى شروطها التعجيزية
وأنا أومىء برأسى معلنا عن موافقتى على كل شروطها .
أثناء جلسة المباحثات المغلقة مع الأمين العام للأمم المتحدة أقصد مديرة المدرسة دخل علينا أحد الأساتذة ووقف إلى جوارى مطرقا السمع لما يدور ، وعندما وجد أن المديرة قد أبدت موافقتها المبدئية فى قبول الطفلين وكانت المفاوضات قد وصلت إلى نقطة التبرع للمدرسة وقد تعمدت أن تحيط هذا الأستاذ بانى أعمل فى مجال الإعلام وأنى على تواصل مع كبار المسئولين فى الدولة “كما توهمت” وقتها إنتفض المدرس مصححا معلومة فى غاية الاهمية أن المدرسة لانقبل تبرعات نقديه ، هدأت من روعه وقلت نقدية عينية أى حاجة أنا مستعد .
إستأذن الأستاذ وأخذنى معه إلى فناء المدرسة وأشار إلى سماعة كبيرة جدا  وقال إحنا عاوزين واحده زى دى أشرت له من العين دى قبل العين دى ، ورجعنا إلى مكتب المديرة قالت أنا ح أقبل الولاد علشان خاطرك قلت لها لا علشان خاطر ربنا ، بدأت فى سرد الإجراءات ” التعجيزية ” للتحويل وأنا أقبل التحدى فى كل مره إستدعت تلك الإجراءات سفر الأب إلى محافظه المنيا 3 مرات  لـ إحضار ملف الأولاد وموافقة المدرسة والإداره التعليميه ومديرية التربية والتعليم فى المنيا على طلب النقل  .
وقد سبق ذلك موافقة المدرسة التى سوف يتم التحويل إليها ، وقد إحتوى كل طلب من طلبات التحويل الأربعة لكل واحد منهم على أكثر من سبعة أختام مختلفة الحجم مابين مربع ودائرى وبيضاوى ، إضافة إلى ختم النسر والطريف أن كل ورقة صبغت باللون الأزرق من كثر ماطبع عليها من أختام هذا بخلاف التوقيعات الـ أقرب إلى الشخابيط ، الأب متعلق بالأمل وفى رحلة مكوكية من وإلى المنيا تلبية لطلبات أظنها تافهة عينة ناقص ختم المديرية ، ختم الإدارة مش واضح ، إللى وقع هنا ماسماش ، الختم مايل ، إنت متأكد أنه لحس الدمغه دى بلسانه .. إلخ
حملت كومة الأوراق التى أحضرها الأب وملفات الأولاد وذهبت إلى مديرة المدرسة ،
الحقيقة أنها كانت تستقبلنى فور علمها بوجودى ولاتتعمد ان أقف كثيرا أمام مكتبها حتى يسمح لى بالدخول كما يحلو لبعض ضعاف النفوس ، كان من ضمن الأوراق المطلوبة بيان نجاح لكل تلميذ منهم للعام الماضى ، وقد فوجئت أن الولد الكبير حاصل على تقدير إمتياز ، والصغير جيد جدا ، بإبتسامه تملأ وجهى مددت لها الورقتين ، وقلت لها مش قلت لحضرتك العيال متفوقين ، ورغم ذلك قللت من تفوقهم وقالت كل الأرياف بيعملوا كده ، قلت لها طيب إعملى لهم إمتحان .  ويبدو أنها لاتريد مناقشة هذا الموضوع ،
قالت عاوزين ختم إدارة الجيزة التعليمية ، وختم مديرية التربية والتعليم على الأوراق قلت لها مفيش مكان فى الورقة  ، قالت دا شغلهم وهم عارفين ، بدأت بالإدارة التعليمية ،  وأنا كعادتى دوما أبدا بالآية الكريمة ” رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي” ، كان الدخول إلى إدارة التربية والتعليم أشبه برمى الجمرات فى الحج ، جحافل من البشر تموج فى بعض ، صريخ الأمهات يصيبك بالصمم ، ناس تحمل أوراق وتجرى فى كل إتجاه ، كان أغلب الحضور من السيدات الائى يثرثن كثيرا ، لايمكن أن تجد أحدا يعطى لك معلومة ، تسأل لاتجد إجابة من موظف غير إشارة بأصبعة لـ أعلى .
بصعوبة إستطعت أن أميز مكان المدير ، ولكن هيهات أن تدخل على رئيس الجمهورية أهون من أن تلتقى مدير الإدارة التعليمية بالجيزه ، كل الموظفين بلا إستثناء يتعاملوا على المترددين على المكان وكأنهم من كفار قريش أو يهود بنو النضير ، لم أجد موظفا واحدا مبتسما ، أو يعطيك فرصة للكلام ، حتى لو كان كلامه غير منطقى ، وعندما سألت أحدهم أشار بيده للجموع الغفيرة وقال أى منطق تتحدث عنه إحنا مفيش حاجه إسمها منطق عندنا يا أستاذ فوق ، وضع هؤلاء الرجال اللمبة السوداء أمام عينى وأغلقوا كل الأبواب فى وجهى .
وهنا كان حتما مقابلة السيد المدير شخصيا ، ياله من يوم لم تشرق عليه الشمس ، أن تصل إلى طرقة المدير فانت فارس من بنى خيبان ، بشق الأنفس وصلت ، وأخيرا إستطعت لمس أكرة الباب وما إن إنفتح الباب دلفت بداخل الغرفة وإرتميت على أقرب كرسى ، وأخرجت الكارت الشخصى ، وطلبت مقابلة البيه المدير ، لكن اللعبة لم تنطلى على السكرتيرة المتمرسة ، بدون تفكير قالت هو فى إجتماع يافندم .
 قلت ح يخلص إمتى ، قالت الله ورسوله أعلم  ، أنا طلبت المقابلة لـ أمر هام حتى لو إستدعى الأمر الجلوس حتى المساء ، بدأت تسأل عن سبب المقابلة فشرحت لها العقبات . أخذت الأوراق من يدى ودخلت وبعد لحظات عادت بالقول الفصل باب التحويلات أغلق ولابد من إستثناء من الوزير أو مدير المديرية ، حاولت أن أشرح وجهه نظرى ولكن كان قد سبق السيف العزل ، فى مديرية التعليم لم يكن الوضع أفضل من الإدارة التعليمية بإستثناء أن الزحام أقل ، أوصدت أمامى كل الأبواب ورجعت للمرة الثانية أحكى قصة سلامه وجهاد .
إستعذب أحدهم القصه وهمس لى هو ليه المدير عمل معاك كده ، إذا كان المدرسة موافقه  وفيها مكان والأوراق كلها مستوفاه ، وأشار إلى الدخول إلى مدير المديرية ، لم أتمكن من الدخول بالطبع ولكن مساعده كان رجلا دؤبا وملم بكل التفاصيل الدقيقة ، كانت طلباته بسيطة عباره عن تقديم إلتماس وكام تأشيرة وإستدعى الأمر التردد على مبنيين متجاورين أكثر من عشرة مرات ، وإنتهى الأمر بمكالمة منه لـ مديرة يبدو أنها جديدة ، وأعطى لها بعض التعليمات ووضعوا ختم النسر على الورقه ” أحد .. أحد “
عدت إلى المدرسة حاملا السماعة ” التى تبرع أهل الخير بها ” وكومة الأوراق والملفات والطفلين،  وبعد مراجعة وفحص وتمحيص من السكرتاريه التى تعمدت ان أسمع قصه زوجها المهاجر على باريس ومحاولات لم شمل الأسره التى باءت بالفشل .. إلخ
وتم قبول الطفلين بعد دفع الرسوم المقررة ، وبعد مرور أكثر من شهر ونصف على بدء العام الدراسى ، والحمد لله أنهم على تفوقهم
والآن ماهو تعليقكم على تجربة مجانية التعليم فى مصر ؟
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.